الهوة عميقة بين السلطات الرسمية والانتماء الوطني

ان الولايات المتحدة الأمريكانية والعدو اليهودي سعياً بكل قوتهم العسكرية والدولية لإخضاع الجمهورية الاسلامية في إيران وحركات المقاومة في بلادنا وفي اليمن، الا ان هذا المسعى انتهى بفشل كبير. بعدما صمدت إيران وصمدت حركات المقاومة في الميدان العسكري، ما ادى إلى اجبار العدو الأمريكاني واليهودي على جر ذيل هزيمته كقوة عظمى تأمر وتنهي دون ان تقول لها اية دولة لا، كما اجبرت الولايات المتحدة على الاذعان لشروط ارادة الشعوب في إيران والامة السورية واليمن في هذه الحرب العسكرية.

وفي هذا الإطار، جاء وقف إطلاق النار مائلاً إلى الشروط الايرانية الكاملة التي تشمل جبهة إيران والجبهات الاخرى، واكثرها اشتعالاً جبهة لبنان، غير ان قبول العدو اليهودي بهذا الوقف جاء جزئياً وليس شاملا لكل لبنان، وذلك نتيجة المواقف السياسية للسلطة اللبنانية، التي عملت جاهدة لمنع إيران من الإصرار على وقف النار في كل لبنان بإيعاز من الادارة الأمريكانية نفسها.

وفي سياق هذه النتائج، يتجه المشهد اليوم في إيران نحو اتجاهين محتملين ومتوازيين. الاول يتمثل في توجه الولايات المتحدة نحو التصعيد العسكري، وهو ما يعكس جنونا سياسيا، كما طبيعة حكام اميركا المجانين اليوم، وقد اثبتت التجربة ذلك من خلال الدعم المطلق للعدو اليهودي في مشروع ابادة شعبنا في فلسطين، كما تجلى هذا الجنون في فنزويلا واختطاف رئيسها، وبرز كذلك في رفع الرسوم الجمركية على الحلفاء وغير الحلفاء، وفي تهديداته بضم كندا ومناطق اخرى في العالم.

غير ان استمرار هذا الجنون لن يبقى دون تبعات، اذ سيجد امامه مقاومة عسكرية استنزافية قوية تستنزف قوته العسكرية وهيبته كقوة عظمى اولى، وتترك على وجهه علامات مذلة، كما ستؤدي إلى ازمة طاقة دولية وازمة اقتصادية تهدد العالم، بما ينذر بحرب عالمية.

اما الاتجاه الثاني، فيقوم على ان يهادن العدو الأمريكاني واليهودي إيران ويتراجع عن عدوانيته، وقد يتجلى ذلك عبر التكاذب في اتفاقيات غير مؤثرة ولا قيمة لها، بما يؤدي إلى انهاء الحرب العسكرية شكليا. الا ان هذا المسار لا يلغي الوجه الاخر للصراع، حيث سيفتح العدو الأمريكاني واليهودي على ايران حربه المعهودة الحرب الناعمة بالحصار الناعم، وعرقلة الانشطة الاقتصادية والحركة المالية، وعرقلة الاعمار، وضرب الاستثمارات وتخويفها، كما سيفعل ادواته الناعمة لتقليب الشعب على النظام في إيران، ودعم حركات دعاة السلام مع الولايات المتحدة بحجة التعب من الحروب مع الترويج لدول المنطقة المنتعشة اقتصاديا والتي تتمتع بالرفاهية لإنها منساقة خلف الولايات المتحدة الأمريكانية.

هذه الوسائل الناعمة ليست جديدة، بل جربت سابقا واصطدمت على مدى 47 عاما بقدرته على ايجاد تحالفات تحترم الامة الايرانية وحريتها وسيادتها. وبناء على ذلك، تكون إيران قد حفظت استقلالها ومواردها وحافظت على خط نهوضها رغم الحرب وتكون قد وجهت صفعة للهيمنة الأمريكانية

اما في بلادنا، فتبرز صورتان متناقضتان في الحياة السياسية. اول مرتهن إلى الارادة الأمريكانية واليهودية، وهو ارتهان لا يخدم الامة ولا الوطن وهذه الفئة غير آبهة بوجود الشعب وبقائه، وخطرها لا يقل عن الخطر اليهودي والأمريكاني وقد اثبتت الوقائع العملية انها اداة دنيئة في المشروع.

في المقابل، يبرز المزاج الثاني بوصفه وليد ارادة الشعب النابعة من عمق القيم الوطنية، هذه الفئة واسعة الحضور في اوساط الشعب، الا انها تعاني من معطلات وقصور في تأطيرها وتحويلها إلى قوة عظيمة قادرة على ادارة شؤون الامة. ومن هذه المعطلات الحزبية الدينية والطائفية والنعرات الاثنية والموروثات السلبية التي زرعها الاجنبي. وعلى الرغم من ذلك، فقد برزت من رحم هذا الوجدان القومي حركات مقاومة منذ اوائل القرن الماضي حتى اليوم، ولقنت الاعداء دروسا قاسية.

غير ان هذه الحركات، انتهجت المقاومة نهجا، ولكنها كانت تعاني من نقص في السلاح والموارد والخبرة التدريبية، ما جعلها بحاجة دائمة إلى دعم خارجي، أدى إلى تراجعها، نتيجة تغير مصالح الدول الداعمة أو لظروفها الداخلية.

الى ان جاءت الثورة الايرانية وانهت حكم الشاه، وبدلت سفارة «دولة» العدو بسفارة لفلسطين، وقررت الدعم غير المحدود ودون مقابل لحركات المقاومة ولدول الممانعة في بلادنا. لذلك هذه حركات مقاومة اصيلة معبرة عن ارادة الشعب ومصالحه «وليست هذه الحركات أذرع تابعة كما يسوق الأعداء» وفي المقابل، كان بعض حكام دول الامة السورية، وكذلك دول البترو دولار، بمثابة الخنجر المسموم في ظهر المقاومة التي قدمت أنبل شباب الامة في سبيل تحرير البلاد من الاحتلال والحفاظ على الوطن.

وما زالت هذه الدوامة بين العدو والمقاومة والسلطات الرسمية المرتهنة قائمة، ولا انقاذ لنا منها الا إذا حسمت حركات المقاومة امرها وقررت التخلص من هذه الانظمة المقيتة المستسلمة، بل المتواطئة مع العدو، مما جعل اتساع الهوة كبيرا بين المقاومة والسلطات الرسمية في بلادنا. فعلى الجبهة شهيد يقدم دمه دفاعا عن الوطن والشعب، وفي المحافل السياسية الرسمية مسؤولون يقدمون التنازلات للعدو ويتآمرون على الشهيد ودمائه الطاهرة.

لا يظننن أحد ان محاربة السلطة تشكل تحريضا على الاقتتال الداخلي، فذلك لن يحصل، لان الشعب يقف في صف المقاومة، باستثناء قلة قليلة قد باعت وطنها.

التنازل عن الحق القومي لا يعد عملا سياسيا، ولا نهجا دبلوماسيا تفاوضيا، بل يصنف في خانة الخيانة العظمى      .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *