د. عادل بشارة في جديده: وليم ييل. العميل الخاص: 34 تقريراً سرياً حول المسألة السورية [1917 – 1918]، عن دار كُتب للنشر، 2025، ترجمةً وتقديماً، كشف ولأول مرّة حقيقة تقارير سريّة مضى عليها قرنٌ ونيّف، وهي مراسلات وليم ييل (William Yale)، التي تضم عرائض ومذكرات ومحاضر اجتماعات محلية أُخفيت بين محاضر تقارير المراسلات الأنكلو – فرنسية أو أُخضِعتْ للرقابة وحُفظت في مكان بعيد عن الأعين مع تقرير لجنة كينغ – كراين، مصدراً متشعباً عن المسألة السورية أثناء الحرب العالمية الأولى وتسوية ما بعد الحرب إذ تضيف هذه المراسلات رؤية ذات قيمة للرغبات والتوقعات السورية خلال تلك الفترة ونافذة إلى عمل الشبكات والجماعات السورية على المستوى المحلي وتصوّراتها، والتي أثّرت إلى حدٍ ما في مداولات مؤتمر السلام في أوائل عام 1919. أتاحت تقارير ييل الأربعة والثلاثون التي أُرسِلت بين عامي 1917 و1918 عرض مجموعة من الخطط والبرامج السورية أمام جمهور واسع من الفاعليات الأميركية التي كانت تتنقل باستمرار بين واشنطن وباريس. كما أكدت تلك التقارير كيف كان الدبلوماسيون الأميركيون يأخذون السوريين المقيمين في مصر على محمل الجدّ، حيث تعاملوا معهم على أنهم شركاء محتملون في سعيهم لامتلاك نفوذ جديد وسط الجبهات السياسية المتصدعة والمتغيرة في المنطقة.
يمكن استخلاص العديد من الاستنتاجات والانطباعات من وحي الوثائق، لكن ثلاثة منها تستحق الاهتمام لما لها من أهمية وصِلة معاصرة. أولاً، تؤكد التقارير، بما لا يدعو للشك، حقيقة أن المسألة السورية أخذت حيزاً كبيراً من اهتمامات الولايات المتحدة مع دخولها الحرب الكبرى عام 1917. ولم يكن هذا الاهتمام وليد اللحظة أو الحرب وإنما نتيجة مسار طويل من العلاقات الودية بين الشعبين السوري والأميركي، تعود بداياتها إلى القرن التاسع عشر مع تمركز الإرساليات التبشيرية على الساحل السوري وانخراطها في العمل التربوي. فأنشئت الكلية البروتستانتية السورية، التي أدّى نموّها مع مرور الزمن إلى إبقاء الأميركيين على اتّصال دائم بسورية، وبالتالي تعزيز الصُّور الإيجابية عن الولايات المتحدة باعتبارها «قوة خيّرة». هذه التقارير جزءٌ أساسي من الوثائق الأساسية عن المسألة السورية، إذ تكمن أهميتها في أنها كتبت من أرض الواقع أثناء الحرب العالمية الأولى، وفي وقت كانت أطراف النزاع تُعِدّ العدّة لمؤتمر سلام والحرب قد شارفت على نهايتها. والأهم من ذلك أن كاتب التقارير كان شخصاً عادياً انتُدب للمهمة لأنه كان ملمّاً بالمنطقة وقضاياها المعقدة مع أنه لم يتولّ أي مركز دبلوماسي أو سياسي يُذكر قبل ذلك.
جهدٌ مشكور للبحّاثة د. عادل بشارة يضيء حقبة مهمة من تاريخ بلاد الشام سيّما ان هذه التقارير التي ترجمَها بعناية بالغة تزامنت مع صدور وعد بلفور وإبرام اتفاقية سايكس – بيكو.
محمود شريح

