في أيام الأولى للحرب على غزة قال نتنياهو أن هذه الحرب ليست على غزة ومن أجلها فقط وإنما هي الحرب التي ستعيد تشكيل الشرق الاوسط الذي كان قد اخذ شكله النظري عام 1916 في الاتفاقية الإنجليزية الفرنسية (سايكس ـ بيكو) وتكرس عملياً في مؤتمر سان ريمو عقب نهاية الحرب العالمية الأولى عندما جلس على مائدة التفاوض المنتصرون وهم انجلترا وفرنسا في فرساي ليقتسموا العالم الذي كان جزءا من الدولة العثمانية والإمبراطورية النمساوية ـ الهنغارية ومن المانيا، اما في نهاية الحرب العالمية الثانية فجلس على مائدة التفاوض في يالطا و بوتسدام كل من ستالين وروزفلت وتشرتشل فيما تواجد المهزومون في السجون بانتظار محاكم نورمبرج، وتم تقسيم العالم بين معسكرين شرقي بقيادة روسيا وغربي بقيادة الولايات المتحدة.
تشترط عملية اعادة بناء الشرق الاوسط من جديد ان تبدا بتحطيم ايران باعتبارها وحلفائها العائق الاكبر امام هذا المشروع، فكانت الحرب التي ادعى التحالف الامريكي الاسرائيلي ان هدفها هو تغيير النظام الايراني الارهابي والظلامي ومنع ايران من الاستمرار في مشاريعها النووية والصاروخية وقطع العلاقة بينها وبين حلفائها الممتدين من غزة غربا الى باب المندب شرقا وما بينهما، وبالطبع اعادة تجارة النفط الايراني الى حظيرة الطاعة الأمريكية المسمى نظام سويفت القاضي بحظر بيع وشراء النفط الا بالدولار الامريكي، لكن ايران استطاعت سريعا فرض اجندة جديدة على واشنطن بنقل الثقل الاستراتيجي من العمل على اعادة تشكيل الاقليم الى عقدة جغرافية خطيرة لا على الدول المصدرة للنفط او المستهلكة فقط وانما على اقتصاديات العالم.
عقدة مضيق هرمز تتجاوز في خطورتها ما تقدم وتصل الى مدى الدخول في ازمة اقتصادية عالمية قادرة على احداث زلزال عالي الدرجات، وهذا ما اوصل الاقليم الى الرقص والتأرجح على حافة الهاوية عندما اعلن دونالد ترامب تهديده الجدي بضرب محطات انتاج الطاقة والجسور في ايران في حال بقي المضيق تحت السيطرة الإيرانية، والرد الايراني المعاكس له في الاتجاه و المساوي له في المقدار والجدية بان ذلك لو حصل فان بلادا ً كثيرة ستغرق في الظلام فكانت التدخل الذي قادته باكستان ومن ورائها مصر وتركيا وسلطنة عمان والسعودية وقطر وكثير من دول العالم.
يريد الأمريكي ان يكون فتح مضيق هرمز قوة المدخل لباقي الملفات ولكن لا تقل تعقيدا قد اخذت تتعظم وهي هل يشمل وقف اطلاق النار الجبهة اللبنانية ام لا، وهو مطلب ايراني ، فكان الهجوم الاسرائيلي المكثف على كامل لبنان والذي ذهب جراءه مئات الشهداء، ترى اسرائيل وحلفائها ان في الداخل اللبناني وان في المحيط العربي اما ذلك يعني ان لبنان قد اصبح ورقة معلقة بيد الجمهورية الإسلامية وهو تكريس لوجود ايران في قلب لبنان وعلى حواف الجليل الفلسطيني، و تذكر لبنان الرسمي ان الخيام و النبطية وباقي الجنوب هو جزء من ارضه الذي لم يدافع عنه امام الاحتلالات الإسرائيلية وان سكانه ليسوا من العابرين وانما من مواطنيهم الذين لم يقدموا لهم اي مساعدة عند نزوحهم فاصبحوا اليوم وكأنهم يذرفون الدموع حزنا عليهم وتضامنا معهم ورغبة في اعادتهم الى قراهم في الجنوب.
تذكر هؤلاء مفردات السيادة والارض الوطنية والعشرة الآف كيلومتر مربع وان اي وقف لإطلاق النار على الجبهة اللبنانية لا يجوز ان يتم مع إيران وانما مع الدولة اللبنانية صاحبة السيادة والشرعية، ومن خلال التفاوض المباشر مع دولة الاحتلال وصولا الى اتفاق سلام نهائي يجعل من الدولة اللبنانية ليس أكثر من وكيلا امنيا
واقتصاديا ومائيا للاحتلال في السيطرة على الثروات والمياه وعلى ردع المقاومة بأشكالها العسكرية والسياسية والثقافية، وهو ما أعلن عن التوافق عليه وسيبدأ يوم الثلاثاء القادم في واشنطن على مستوى السفراء، وان كانت المؤشرات تذهب انه قد بدأ قبل ذلك بكثير، وان لقاءات واشنطن ستكون بروتوكولية واعلامية فقط.
عود للسؤال المركزي هل انتهت الحرب؟ والجواب لا وانما انتقلت من ميادينها في الخليج الى ميدان اسلام اباد، ولكن الفجوة بين أدنى ما تريده الولايات المتحدة واقل ما يمكن ان تقبل به ايران لا زالت واسعة وقد تبدو عصية على الجسّر فيما بينهما، فيما تتم محاولة نقل المعركة على الجبهة اللبنانية من معركة مع الاسرائيلي الى معركة بين اللبناني واللبناني، فالعقدة اللبنانية تكمن في سؤال، الإجابة عليه واضحة: هل تقبل المقاومة وحليفها الاقليمي بتسليم زمام التفاوض لمن لا تراه امينا على المصالح العليا؟ ولمن تآمر ويتآمر لا عليها وانما على الوطن والامة جمعاء؟ الحرب لا زالت مستمرة في الجوهر وان تغيرت في الشكل، باتجاه محاولات الدهاة المعادية التي لا تتوقف لإعادة صناعة مشرقنا وفق هواهم ومصالحهم.


