في ظل التصعيد المتسارع في المنطقة، واشتداد حدة المواجهة، يبرز العدوان الأمريكاني اليهودي على إيران كعنوان رئيسي لصراع يتجاوز حدوده المباشرة، ليطال توازنات المنطقة ومصالحها الاستراتيجية، وليطال جميع الامم على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية، في مشهد يعيد طرح سؤال النظام العالمي وموازينه.
لان عمق العدوان الأمريكاني اليهودي على إيران يرتبط بهدفين اساسيين يتمحوران حول النفط وعدم دعم حركات المقاومة في المنطقة، اما ما يشاع عن شروط وشروط مضادة، فليس سوى تفاصيل غير ذات اهمية، تطرح في سياق الضجيج السياسي والاعلامي ولا تمس بجوهر الصراع القائم، بل تسعى الى تشتيت الانتباه عنه. وفي الاصل، الجمهورية الإسلامية في إيران ما هي كانت سياستها عدائية نحو المنطقة ولن تكون، اذ لم تقم سياستها على زعزعة استقرار الدول الجارة لها، وخاصة دول الخليج، ولم تخطط لذلك في اي مرحلة، وقد مضى نصف قرن على الثورة الايرانية من دون ان يظهر ما يخالف هذا المسار، ما يعزز ثبات هذه القاعدة في سلوكها السياسي.
كذلك، لم تسع إيران الى الهيمنة على مضيق هرمز، ولا يبدو انها مهتمة به الا بقدر كونه ورقة تستخدم لتأمين مصالحها القومية بعد العدوان الأمريكاني واليهودي عليها. ومن هنا، يتضح ان توجيه حركة النفط والغاز في الاسواق العالمية هو الهدف الاساس للولايات المتحدة الأمريكانية من هذه الحرب، الى جانب منع إيران من دعم حركات المقاومة في المنطقة، وهو هدف يتقاطع مع الهدف اليهودي بشكل مباشر ويكمله.
اما الاستيلاء على النفط، فانه يتطلب قلب النظام والمجيء بنظام جديد يكون تابعا للولايات المتحدة الأمريكانية، الا ان هذا الهدف قد سقط، ليس فقط بفعل التوازنات القائمة، بل ايضا بفعل التجربة التاريخية. وهي التي فعلت ما فعلت بالشعب الايراني على مدى سبعة واربعين عاما، وفي حربها الحالية وبالتالي لن يكون النفط الايراني ولا الغاز ولا الموارد الاخرى ضمن فلك النظام الاقتصادي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكانية، بل خارج دائرة السيطرة المباشرة لهذا النظام.
وفيما يتعلق بالهدف الثاني للمشروع الأمريكاني واليهودي، وهو دفع إيران الى التخلي عن حركات المقاومة في بلادنا، فقد اثبتت التجربة للشعب الايراني ان هذه الحركات تشكل خير دفاع عنه، بل انها تمثل خط دفاع متقدم عن الدولة الايرانية، بما يجعلها جزءا من منظومة الامن الاستراتيجي. وهذا الاستنتاج يبرز حتى عند النظر الى المسألة من زاوية المصلحة الايرانية البحتة، الامر الذي يجعل من غير الممكن ان تتنازل إيران عن هذه السياسة الصادقة تجاه الحلفاء في ترابط يتجاوز الظرفية متى كانت الحرب مع الوحشية الأمريكانية تجاهنا كشعوب مستضعفة.
ولا بد من التأكيد ان الثورة قامت منذ البدء على مناصرة المستضعفين، وعلى مناصرة الحقوق المشروعة لشعبنا السوري، سواء من خلال دعمها المقاومة في فلسطين، او دعمها المقاومة في لبنان، او دعمها للعراق للتحرر من الاحتلال الأمريكاني، وكذلك دعمها للشام في مواجهة كل الاطماع الداخلية او الخارجية، ضمن رؤية متكاملة لطبيعة الصراع.
وللوفاء، فانه لم يدعم الشعب السوري لنيل حقوقه من دولة خارجية كما دعم من الجمهورية الإسلامية في إيران، وهو ما يعكس طبيعة الالتزام السياسي والاخلاقي في هذا المسار ويعطيه بعدا يتجاوز السياسة المباشرة. وبناء على ذلك، يمكن القول ان هذا الهدف ايضا قد سقط من اهداف الحرب الاميركانية والعدو اليهودي، وقد تجلى ذلك بوضوح من خلال تشكل غرفة عمليات واحدة من دول المحور كما صرح القائد قاآني، ومن خلال التناغم والتنسيق بين ضربات حركات المقاومة وضربات الحرس الثوري والجيش الايراني على الاعداء، في مشهد يعكس وحدة القرار.
ويعزز هذا الاستنتاج ما صدر عن الحكومة العراقية والقوات المسلحة العراقية والقوى الاهلية المسلحة والمدنية، التي اعلنت موقفها بحزم الى جانب إيران الثورة، كما ان المشهد في لبنان اظهر كيف تماهت المقاومة مع الشجاعة الإيرانية في صد العدوان. فبادرت الى مقارعة العدوان اليهودي وتوجيه ضربات قاسية له في الاراضي اللبنانية والاراضي الفلسطينية المحتلة، كذلك برز موقف المقاومة المسلحة الفلسطينية التي ايدت ووقفت الى جانب إيران.
ومن هنا، تؤكد إيران لتاريخه ان نتائج هذه الحرب لن تكون خصوصية إيرانية خالصة، بل ستشمل لبنان وفلسطين والعراق، واليمن الى جانب حفظ حركات المقاومة في بلادنا والمنطقة، ما يعني ان مفاعيلها تتجاوز حدود الجغرافيا الايرانية.
وامام هذا الواقع، وفي محاولة لتفادي ان تفرض الشروط الايرانية في اي وقف لإطلاق النار، بما يتضمن وقف الاعتداء على لبنان والانسحاب من الاراضي المحتلة، عادت الولايات المتحدة الأمريكانية لتطلب من السلطة في لبنان طرح مبادرة مفاوضات استسلام مباشرة مع العدو اليهودي، بهدف قطع الطريق على ادراج الملف اللبناني ضمن الشروط الايرانية، وفي هذه الحالة سيكون الجواب الأمريكاني ان لبنان الرسمي يجري مفاوضات «سلام» مع العدو اليهودي، في محاولة لإعادة رسم المشهد سياسيا لصالح العدو.
وفي السياق نفسه، طلبت الولايات المتحدة الأمريكانية من بعض رجالاتها في الحكومة العراقية ان ينآوا عن ربط مسارهم بالمسار الايراني واهدافه من هذه الحرب، غير ان هذه المحاولات لن تنجح. وانطلاقا من ذلك، تبرز اهمية ان تؤكد الجمهورية الإسلامية في إيران ما جاء في كلام مرشدها الشهيد الخامنئي حول ازالة الهيمنة الأمريكانية اليهودية عن غرب آسيا، بوصفه عنوانا للمرحلة المقبلة.
ويتجلى ذلك من خلال وضع شروط واضحة لإيقاف الحرب تشمل الخروج الأمريكاني التام من العراق، ووقف العدوان اليهودي على لبنان والانسحاب من الاراضي التي يحتلها واجراء تعديل جوهري على اتفاق غزة، ووقف العدوان على اليمن، في صياغة تعكس تحولا في موازين القوى. كما اسست لنظام عالمي جديد قد تتلقفه الدول الوازنة في العالم، بما يؤدي الى انهاء وحشية هيمنة الامبراطورية الاميركانية، والانتقال بالعالم نحو شراكة عالمية أكثر عدلا.

