مضيق باب المندب وحروب الممرات الاقتصادية والتجارية إلى ملايين البشر

في ظل الحرب المندلعة بين الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني من جهة وإيران من جهة أخرى تبرز أهمية الممرات والمضائق البحرية الطبيعية ودورها في تفعيل الحركة الاقتصادية والتجارية وخصوصاً النفطية بين الدول التي تحيط بهذه الممرات والمضائق. 

من بين هذه المضائق مضيق باب المندب الذي يقع بين اليمن في آسيا شرقاً ودولتي جيبوتي وإريتريا غرباً على الساحل الأفريقي، بينما يفصل المضيق بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، حيث يبلغ أقل اتساع للمضيق 26 كيلومتراً. وهذا المضيق هو شريان تمر عبره الطاقة والمواد الغذائية والمواد الخام الضرورية لحياة ملايين البشر. بالتالي يمر عبر المضيق 14 في المئة من تجارة الحبوب العالمية و12 في المئة تقريباً من النفط الخام و8 في المئة من الغاز الطبيعي المسال فضلاً عن المواد الخام الأخرى. ومن هنا يشكّل مضيق باب المندب نقطة عبور رئيسية لنحو 12 في المئة من التجارة الدولية.

وبحسب إحصائية عام 2018 فإن 9 في المئة من تجارة النفط العالمية تمر عبر مضيق باب المندب بواقع 6 ملايين برميل يومياً. ويكتسب المضيق أهميته باعتباره طريقاً مختصراً لقناة السويس بدلاً من طريق رأس الرجاء الصالح ذي المسافة الطويلة المكلفة مادياً. ويُعد هذا المضيق البوابة التي تعبر من خلالها معظم السفن المتجهة إلى قناة السويس. وإغلاقه يعني اغلاق قناة السويس خصوصاً أن نحو 98 بالمئة من السفن التي تدخلها يمر عبره. ومن شأن إغلاق هذا الممر أن يقود السفن المتجهة إلى أوروبا إلى عدم عبور قناة السويس، واضطرارها نتيجة ذلك إلى الالتفاف حول أفريقيا، مما يعني إطالة مدة الرحلة ما بين 10 أيام إلى أسبوعين وتأخير وصول شحنات البواخر والسفن وحمولاتها إلى الدول التي تقصدها وبالتالي ارتفاع كبير في تكاليف الشحن والتأمين، ناهيك عن الزيادة في كلفة استهلاك الوقود بنسبة تتراوح بين 10 إلى 14 مليون دولاراً.

 وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن أكثر من عشرين ألف سفينة شحن تنقل ما يقارب 1.6 مليار طن من البضائع تعبر مضيق باب المندب سنوياً. وبذلك يمكن اعتباره أحد أهم طرق التجارة في العالم. ولا تقتصر أهمية باب المندب على التجارة العامة فحسب، بل يمتد تأثيره إلى سوق الطاقة العالمي إذ تعبر من خلاله ملايين البراميل من النفط والغاز يومياً، وبذلك يكون أحد الشرايين الحيوية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي في تلبية احتياجاته من الطاقة، وجزءاً مهماً من إمدادات الطاقة التي تصل إلى أوروبا. ويحذر الاقتصاديون من تعطّل مضيق باب المندب إذا ما تزامن مع إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره الجزء الأكبر من صادرات النفط الخليجية. وفي هذه الحالة ستواجه الأسواق العالمية نقصاً حاداً في الإمدادات الأمر الذي قد يدفع أسعار النفط والغاز للارتفاع إلى مستويات قياسية، وهذا ما يحصل فعلياً وبالتالي نحن أمام موجة تضخم اقتصادي عالمية.

لم تكن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يدركان تبعات حربهما على إيران بغض النظر عن أضرارها العسكرية. فإيران تمتلك عدة أوراق بيدها لا سيما ورقة المعابر والمضائق التي تقبض على الشرايين الحيوية للعالم وعلى حركة التجارة والاقتصاد اللذين أحدثا هزة لا يستهان بها على الصعيد العالمي.  

ومع تصاعد التوتر في المنطقة، يتركز الاهتمام الدولي على تأمين حركة الملاحة في هذا المضيق، إضافة إلى مضيق هرمز اللذين يشكّلان معاً عقدتين جغرافيتين بالغتي الأهمية في الاقتصاد العالمي الحالي القائم على حركة التجارة ما بين القارات.

المؤكد على ارض الواقع ان الممرات البحرية ليست بمنأى عن الصراعات الإقليمية خاصة وأن المضيق يقع في منطقة جيوسياسية شديدة الحساسية حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية، وتجاوره سواحل تشهد منذ سنوات اضطرابات عسكرية وأمنية الأمر الذي يجعل الملاحة فيه عرضة للتهديد في حال تصاعدت التوترات أو اتسعت رقعة الصراعات في المنطقة. وهذا ما حذّر منه مسؤول عسكري إيراني في حديث لإحدى القنوات التلفزيونية من أن بلاده قد توسّع حملتها لتشمل مضيقاً آخر إذا ارتكبت واشنطن ما وصفه ب “الخطأ الاستراتيجي“. فالحوثيون، حلفاء طهران يملكون سلطة التحكم فيه بالنظر لموقع اليمن المطلّ عليه. وإذا ما حدث ودخلوا على الخط بضوء أخضر من إيران، فإن استهدافه سيشكّل ضربة قاصمة للملاحة الدولية وسيكون أحد آخر الطرق البحرية المتاحة أمام دول الخليج لتصدير نفطها إلى الخارج.

وحتى دون خروج باب المندب عن الخدمة، فإن التطورات الحالية والهجمات الأميركية “الإسرائيلية” على إيران قد أثرت كثيرا على نشاطه. إذ تم رصد انخفاض في حركة العبور منذ بداية 2026، بنسبة ما بين 40 و60% مقارنة بنهاية 2023 وهي الفترة التي انخرط فيها الحوثيون في المواجهة مع “إسرائيل” دعماً للفلسطينيين في غزة، حيث فرضوا حصاراً على أي سفينة متجهة لموانئ الكيان الصهيوني انطلاقاً من مياه البحر الأحمر. وبحلول نهاية عام 2024، انخفضت تدفقات النفط عبر باب المندب بأكثر من 50 بالمائة، مع توقف عبور ناقلات الغاز الطبيعي المسال بشكل شبه كامل.

حرب الولايات المتحدة الأميركية وربيبتها “اسرائيل” على إيران أخذت المنطقة إلى واقع جيوسياسي جديد وإلى واقع اقتصادي وتجاري غير متوقع بدأ يهز كيانات خليجية وأقليمية اعتقدت أنها بمنأى عن محيطها الإقليمي وما يدور فيه، خصوصاً تلك التي سارعت إلى التطبيع مع كيان لا يأخذ في الاعتبار إلا مصالحه الخاصة على مختلف المستويات. فهل تدرك تلك الدول خطر الوجود الصهيوني ومخططاته التوسعية في المنطقة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *