ومع مرور الوقت، بدأت الهوية الوطنية اللبنانية تتشظى أمام تضارب الولاءات؛ فبينما كان المسلمون يزدادون تمسكاً بعمقهم العربي وقضاياهم القومية، كان التوجه الرسمي والماروني تحديداً يميل نحو «الخصوصية اللبنانية» والنأي بالنفس عن المحيط. ومع انفجار القضية الفلسطينية ودخول العامل الفلسطيني المسلح إلى الساحة اللبنانية بعد عام 1967، وصلت نقطة الغليان إلى ذروتها؛ حيث احتضن المسلمون العمل الفدائي كجزء من قضيتهم المركزية، في حين تنكرت له القوى المسيحية المهيمنة ورأت فيه تهديداً لكيان «لبنان الكبير» ولسيادتهم عليه. هذا الانقسام الحاد حول هوية الدولة ودورها، مضافاً إليه تراكمات الغبن الاجتماعي والسياسي، وبتغذية من عوامل إقليمية ودولية متصارعة، أدى في نهاية المطاف إلى انهيار صيغة العيش المشترك وانفجار الحرب الأهلية عام 1975. تلك الحرب التي دامت 15 عاماً.
وبدلاً من أن تكون نهاية الحرب الأهلية بوابة لحلول جذرية عبر تنفيذ اتفاق الطائف الذي نص على إلغاء الطائفية السياسية وإنشاء مجلس للشيوخ، جاءت الحصيلة لتعيد إنتاج الانقسام بصيغة أكثر تعقيداً؛ حيث تحولت الدولة إلى محاصصة صريحة وتقاسم مذهبي للسلطة. ومع ضعف المركز، برز «رعايا إقليميون» جدد تحولوا إلى أوصياء على «مزارع الطوائف»؛ فصارت السعودية وسوريا ولاحقاً قوى إقليمية أخرى تدير هذه التوازنات، مما حول الطوائف إلى أوراق ضغط في صراعات المحاور الكبرى.
إن النتيجة القاتمة التي نراها اليوم هي الحصيلة المباشرة لهذا التراكم التاريخي؛ حيث بُنيت الهوية الفردية للإنسان في هذا الكيان على أساس طائفي محض، وأصبح الانتماء للطائفة يتقدم على الولاء للمجتمع والوطن. فالدولة اليوم ليست إلا انعكاساً لتوازنات الإقليم وتقلباته، وليست تجسيداً للعدل بين المكونات أو سيادة القانون. لقد ظل «نظام الملة» حياً في النفوس والسياسات وإن مات في النصوص.
يتجلى هذا الإرث الطائفي بأبشع صوره في قوانين الانتخاب المتعاقبة، التي لا تستند إلى مفهوم «المواطن» بل إلى «تعداد طائفي» متجمد في الزمن. فالدولة اللبنانية لا تزال تعتمد رسمياً على إحصاء عام 1932 (وهو الإحصاء الرسمي الوحيد واليتيم)، والذي تم استخدامه في الميثاق الوطني عام 1943 لتوزيع الحصص. هذا النظام لا يعترف بالتحولات الديموغرافية أو بالواقع السكاني الفعلي، بل يعود بالأنساب والعائلات إلى حيث كانت تقطن قبل إنشاء «لبنان الكبير»، مما يجعل من «إخراج القيد» قيداً حقيقياً يربط المواطن بجذوره الطائفية والمناطقية قسراً، ويمنعه من الاندماج في هوية وطنية جامعة. إن هذه القوانين لا تُصاغ لتمثيل إرادة الشعوب، بل لترجمة مزاج زعماء الطوائف ونفوذهم؛ حيث تُفصّل الدوائر الانتخابية والمقاعد لضمان حصة كل زعيم في كعكة السلطة. وفي ظل نظام «الصوت التفضيلي» ضمن لوائح مغلقة، يُجبر الناخب على الاختيار بين مرشحين اختارهم «أمراء الطوائف» مسبقاً. هنا، يتحول الزعيم إلى «مقدم خدمات» بديل عن الدولة؛ فهو الذي يوظف، ويطبب، ويوفر التعليم، مستخدماً مقدرات الطائفة ونفوذها، مما يترك المستقلين في موقف العاجز؛ فهم لا يملكون «ماكينات» الخدمات الفردية، ولا يُسمح لهم بتقديم مشروع تغيير شامل يتجاوز الخطوط الطائفية الحمراء. وبذلك، يتحول صندوق الاقتراع من أداة للتغيير إلى أداة لتجديد البيعة لـ «رعايا المذاهب» وتكريس نظام المزارع السياسية.
ما يزيد المشهد تعقيداً هو تعمد النظام الانتخابي والسياسي تجاهل التحولات الديموغرافية الصارخة؛ فبينما يتمسك النظام بصيغة «المناصفة» التي أقرها اتفاق الطائف، تشير تقديرات مراكز الأبحاث الدولية واللوائح الانتخابية الحديثة إلى واقع مغاير تماماً؛ حيث بات عدد المسلمين في لبنان يشكل ما يقارب 67% من إجمالي السكان، مقابل تراجع النسبة المسيحية إلى ما دون 33% (بفعل عوامل الهجرة وانخفاض معدلات الخصوبة). هذا الواقع يعني حسابياً أن عدد المسلمين قد أصبح ضعف عدد المسيحيين، ومع ذلك، يُصر النظام على تجميد التمثيل السياسي عند نقطة «المناصفة». هذا الإصرار ليس مجرد رغبة في العيش المشترك، بل هو أداة لمنع إظهار رأي الأغلبية الحقيقية في البلاد، واستبدالها بتوازن مصطنع يخدم «وصاية الغرب» وتوازنات الإقليم. فالغرب، ومن خلفه القوى المستفيدة، يدركون أن الانتقال إلى قانون انتخابي وطني خارج القيد الطائفي وفي دوائر موسعة تعكس الواقع السكاني الحالي، سيؤدي حتماً إلى سحب البساط من تحت يد «النخب» التي تمثل مصالحهم، وسيفقد النفوذ الغربي قدرته على التحكم بمفاصل الدولة عبر الأقليات والزعامات التقليدية التي يحميها القانون الحالي.
بناءً على هذا المشهد الممعن في التعقيد، تصبح الانتخابات في لبنان مجرد طقس شكلي يفتقر لأدنى معايير العدالة التمثيلية؛ فهي لا تعكس واقع الناس ولا تحولاتهم، بل هي أحد الأركان الأساسية التي صُممت بعناية لمنع قيام دولة قوية قادرة، ومجتمع موحد يملك إرادة التغيير. إن هذا النظام الانتخابي، الذي يقدس الطائفية على حساب المواطنة، يضمن بقاء المجتمع مجزءاً إلى «كتل بشرية» تتناحر على الحصص، بدلاً من أن تتعاون على بناء الوطن. إن الحقيقة المرة التي يواجهها اللبنانيون اليوم هي أن بلدهم محكوم بـ «وصاية مركبة»؛ وصاية الزعيم على طائفته، ووصاية القوى الإقليمية على الزعيم. لذا، تبدو السياسة الداخلية في لبنان كدوران عبثي في حلقة مفرغة، حيث لا يملك الداخل مفاتيح التغيير الجذري ما دام النظام محمياً بمظلة دولية ترفض المساس بتوازنات «نظام الملة» القديم. لقد أصبح لبنان كياناً لا يتأثر بنبض شارعه، بل بتبدّل الرياح السياسية الإقليمية من حوله؛ فإرادة الناس هناك معطلة بانتظار «تسويات كبرى» في الخارج، لتظل الدولة مجرد هيكل شكلي، والسياسة مجرد «إدارة للأزمة» في وطنٍ ضاعت هويته بين أروقة القناصل وخرائط الطوائف.
جلال الصايغ ـ الحلقة الثانية

