لم نرَ أنفسنا إلا ونحن أمام كتلة معلوماتية ومعرفية هائلة تقترب علينا كما اقتراب كرة الثلج المفعمة بالحجم والسرعة لتطمرنا فكرياً، لدرجة نصبح فيها لا فائدة منّا ومن منتجاتنا التفكيرية والتحضرية، وكأننا أشجار يابسة في أعماق غابة خضراء، لا يفيدها علم أو معرفة سوى ما «فهمناه» من العادات الاستهلاكية لكل ما هو مستورداً، مشخصاً كان أو مجرد.
طبعاً من الاستحالة الآن السؤال عمن صنع الذكاء الاصطناعي، لنثرب وندين مقاصده ونواياه، ونتهمه بأخلاقه بأبشع ما تطال أخلاقنا من شتائم وأوصاف، لكي نشكك بنوعية «الغزو» وسوء طويته، نحن الذين كنا على وشك تحضيره وإصداره، لولا الفجوة الزمنية التي ظهرت على حين غرة، بيننا وبينهم، هؤلاء الآخرون الذين لم نجمع على تعريفهم بعد، فهم بين الهمج و الناقصون أخلاقياً، ولا يفيدهم اختراع هنا واختراع هناك، المهم الحفاظ على النقاء الفكري، حتى لو كان دونه «بعض» التهمج، والتخلف، والقصور الحقوقي، والفقر الجمالي، وتقلص في الخير الإنساني العام، فهؤلاء الذين صنعه هذا الذكاء غير الطبيعي سوف يكون لهم يوم على أيديهم هم جزاء ما فكروا وأبدعوا واستثمروا وأنتجوا، لإن بهم نقص أكيد لا يرممه سوى الاستفادة من تجربتنا، وأخذها على محمل الجد، إن لم يكن بالاختيار الإرادي، فبالإرهاب والشوكة والغزو، فتركيع الشعوب المنتجة للشبع والمنعة لا يتم بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى الفرصة المواتية لنتمكن من جرهم إلى جادة الصواب، خوفاً وشفقة عليهم فقط، من براثن ما تصنع عقولهم وأيديهم.
ولكن السؤال يبقى كما هو. ماذا نفعل بهذا الذكاء، وهو يزداد علما ومعرفة كل ساعة وكل دقيقة؟ كيف نتعامل معه ونوظفه لصالحنا؟ خصوصاً أنه يسيطر على العقول بطريقة استعمارية فجة، لدرجة أنه قد يقنع أجيالنا، بإننا متخلفون، وأن أخلاقنا وعاداتنا سيئة مثلنا، وتفاكيرنا بدائية وبليدة، وبنيتنا الحقوقية ظالمة ولا تحقق الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، لدرجة قد يصبح هذا الذكاء مرآة لنا، يروننا ونرانا كما نحن الآن ….. بماذا نتذرع لنجيب أنفسنا على هذه الصورة التي ألفينا أنفسنا «على حين غرّة» بهذه الشاكلة؟ وكيف سنقاوم هذا الغزو الثقافي المعرفي التفكيري التربوي «الحاقد» علينا؟ من المؤكد أن جوابنا سيكون، باستخدام الذكاء الاصطناعي نفسه، واضعين أنفسنا أما معركة «استراتيجية» تنتهي بعد قرنين من الزمن على أبعد تقدير، وبناء على النية للانتصار بها، علينا الاستسلام للقوانين العرفية، كي نوحد الصفوف وننطلق نحو معركة استعادة الحق بالذكاء نفسه، طبيعياً أم اصطناعياً وعلى الجميع التسليم بذلك، فهذا حقنا وقد أغتصب منّا دون رحمة أو إنسانية أو أخلاق حميدة. نعم هكذا نفكر نحن، فلنا الصدر دون العالمين أو القبر.
إنه سؤال جدي، كيف نتعامل مع هذا الذكاء الطارئ على البشرية، هل نستعين به على تزوير الحقائق والإبداعات، أم نذهب إليه كمتعاونين بحيث نتكامل معه، ونحصل على نتائج مفيدة؟ أم نرفضه جملة وتفصيلاً، وهذا مستحيل حتى لو أمرت به السلطات، ومن عادتها أن تأمر بالمستحيلات، وتعاقب من لا ينفذ ها!!! أوليس كذلك؟
هذا السؤال، لن نجد له جواب بين ظهرانينا، لإنه سوف يخلخل البنية الاجتماعية غير الناضجة، كما أنه سيخلخل أيضاً السلطات المتنوعة من دولة وغيرها، وستطّر إلى دعسه ببسطار عسكري مصنوع بالذكاء الاصطناعي نفسه، ما يعني أننا في خلطبيطة بنيوية، لا يمكن استثمارها، أو الإنتاج منها، فما سوف نفهمه من هذا الذكاء، هو على قدر عقولنا الجمعية والفردية، التي سوف تتحول إلى فلاتر تصفي الذكاء من دسمه، حتى لو احتاج الأمر إلى قليل أو كثير من «الحيونة»، وكما أننا لم نرضخ لنداءات الحداثة وما بعدها، على الرغم من نجاحاتها المبهرة، واستطعنا تجاوزها، بكامل سياداتنا وبرستيجنا وشيعناها إلى مثواها الأخير، كذلك سوف ندفن الذكاء الصناعي في تربته هو، التي اصطنعها لنفسه، حيث يشعر بالندم المرير، على إنجازه هذا.
هل الذكاء الاصطناعي تكنولوجيات استهلاكية بالنسبة لنا؟. بالطبع نعم، وهنا الفخ الأكبر الذي طالما وقعنا به «على حين غرّة»، فالتعامل مع هذا الاختراع يحتاج إلى بنية فلسفية تناقش وتنقد وتحلل وتركب، بالإضافة إلى أنها يجب أن تكون معاصرة، بما تحمل كلمة معاصرة من معنى، فيما يخص العقل التفكيري في هذه البلاد، وعلى هذا سوف يتحول إلى وبال علينا كغيره من تكنولوجيات الحضارة المستوردة، والتي لم ننجح بالاستفادة من أية واحدة منها، إلا في حدود الاستهلاك غير الناجح أو المجدي أو المثمر، لإنه ببساطة ليس لدينا درب معرفي واضح ومعلن نمشي عليه.

