في هذا العالم الذي لم يشبع بعد من الدّماء والرّعب والترويع ولم يشفٍ غليل صنّاع الحرب والسلم (السلم النادر والمفروض بالإذلال والجريمة) من هذا الكمّ الهائل من العنف والانهيار والترويع حيث لا ضمير يؤنّب ولا عدالة تبدّل من وجه الظلم فيبقى الرعب سيّدا في الساحة الأدبية والسياسية على حدّ سواء!
في ساحة الرواية لا يشبع القراء من روايات الرعب: «لا ترتجف أبداً» هي رواية جديدة لستيفن كينغ وهي الرواية الخامسة والستون في تعداد رواياته وبحسب النقاد هي بيان ضد ترامب والتطرف الديني والعنصري الذي كان العنوان الأبرز لحكمه. وربّ قائل من يتنافس على كمية الرعب؛ ستيفن كينغ أم دونالد ترامب؟ …
أحداث الرواية تأخذنا إلى الغرب الأوسط الأميركي، إلى مدينة (باكاي سيتي)، وهي مدينة كبيرة تقع قرب أحد البحيرات العظمى في شمال شرق الولايات المتحدة. هذا هو مسرح أحداث رواية «لا ترتجف أبداً»، الرواية الخامسة والستين للكاتب الأميركي الشهير ستيفن كينغ، والتي يعود فيها سيّد روايات الرعب والإثارة إلى أحد شخصياته المفضلة، في قصة تحمل أيضًا نقدًا سياسيًا للتطرف الديني المدعوم من دونالد ترامب في الولايات المتحدة.
ستيفن كينغ، البالغ من العمر 78 عامًا، لا يزال يواصل النشر بمعدل كتاب أو كتابين سنويًا، وهو إيقاع ممتاز لمن يقترب من الثمانين. وقد صدرت رواية Never Flinch، وهي روايته الخامسة والستون، في الولايات المتحدة في مايو/أيار 2025.
يعترف ستيفن كينغ صراحة بأنّه واجه بعض الصعوبة في كتابة هذه الرواية. فقد كتبها في خريف عام 2023 بينما كان يستعدّ لإجراء عملية جراحيّة في الورك، واضطر إلى مراجعة النص عدة مرات. ويظهر ذلك في الطريقة السريعة التي يضع بها تفاصيل القصة، وكذلك في المشهد الأخير، وهو مشهد شديد التوتّر ومبني بإتقان، لكنه ينتهي بسرعة نسبيًا، وبطريقة تشبه إلى حد كبير نهاية رواية Mr. Mercedes.
لكن مع ذلك، لا ينبغي أن نفسد متعتنا. فصدور رواية جديدة لستيفن كينغ يبقى دائمًا متعة خالصة للقراءة.
في الرواية هولي تعمل محققة خاصة في وكالة Finders Keepers الموجودة في مدينة (باكاي سيتي) قرب بحيرة كبيرة. هذه المرة لسنا في ولاية(ماين) المفضلة لدى ستيفن كينغ. هولي امرأة صغيرة القامة، شعرها بدأ يشيب ولديها ابتسامة خجولة، وهي نحيفة ولم تعد شابّة. لكنها في الحقيقة أشبه بـالتحري اللامع شيرلوك هولمز. ترتدي هذه التحريّة حذاءً ذا كعب منخفض، وقميصًا بألوان باستيلية زاهية وتنّورة من التويد.
وفي بداية الرواية تنشغل هولي غالبًا بقضايا بسيطة مثل تعقّب المجوهرات المسروقة لصالح شركات التأمين (مصدر وحي كبير للصوص متحف اللوفر في فرنسا)، أي الروتين المعتاد لعمل المحقق الخاص. لكن سرعان ما تجد نفسها مهتمة بقضية أخرى: قضية قاتل متسلسل.
قاتل متسلسل طليق وتهديدات على خلفيّة معركة الحق في الإجهاض. لا يسعنا هنا سوى أن نذكر مبدأ بلاكستون. وهو الفكرة التي تقول إنّه من الأفضل أن يبقى عشرة مذنبين أحرارًا على أن يُسجن بريء واحد ظلمًا. ومن هذا المبدأ تبدأ أحداث رواية «لا ترتجف أبداً».
فقد حُكم على رجل بريء ظلمًا: مصرفي أُدين بتهمة الاعتداء على الأطفال، ثم قُتل لاحقًا في السجن على يد سجين آخر. لكن تبين لاحقًا أن هذا المصرفي كان في الحقيقة بريئًا.
بعد ذلك تتلقى شرطة مدينة (باكاي سيتي) رسالة تهديد: شخص مجهول يعلن أنه سيقتل 13 بريئًا عشوائيًا إضافة إلى مذنب واحد انتقامًا للمصرفي الذي أُدين ظلمًا. وسرعان ما تبدأ الجثث في التراكم بين صفحات الرواية.
تهتم هولي بالقضية من بعيد، لأنها في الوقت نفسه تم توظيفها لتصبح حارسة شخصية بهدف حماية (كايت مكاي،) وهي واحدة من أبرز الناشطات النسويّات في الولايات المتحدة، وتدافع بقوة عن حق النساء في الإجهاض.
في ظل حكم الرئيس دونالد ترامب أصبح هذا الحق مهددًا منذ قرار المحكمة العليا الأميركية في قضية Dobbs vs. Jackson في يونيو/حزيران 2022، وهو قرار اعتبر أن الإجهاض ليس حقًا دستوريًا وترك مسألة تنظيمه لكلّ ولاية على حدة. ونتيجة لذلك، قامت عدّة ولايات محافظة ومتديّنة بحظر الإجهاض.
في الرواية، تقوم (كايت مكاي) وهي شخصية خيالية ابتكرها ستيفن كينغ؛ بإلقاء محاضرات في أنحاء البلاد دفاعًا عن حق النساء في الإجهاض. لكنها تتلقى تهديدات من متطرفين دينيين. كما تعرّضت مساعدتها لاعتداء في الشارع، وتلقت ظرفًا يحتوي على مسحوق الأنثراكس Antrax وهو مسحوق سامّ جدّا يقتل فورا من يتنشّقه.
لهذا السبب تستعين بهولي لتأمين حمايتها، وهذا دليل على ما وصلت إليه المجتمعات الأميركية حيث القتل والتصفية المعنويّة والجسديّة هي ارتكابات مباحة ورائجة ولا دولة قانون مستعدة ومتأهّبة لحماية الناس،فالقوَانين الموجودة تستباح ويتمّ الدوس عليها كما تسود شريعة الغاب، في نظام حكم ترامب المتطرّف والديكتاتوري.
بماذا تصنّف هذه الرواية إذن؟ هل هي رواية رعب عادية كما عهدنا في روايات ستيفن كينغ من النمط التشويقي الذي يخطف الأنفاس؟ ولكن يأتيك الجواب الفوري؛ إنّها رواية سياسيّة ضد سياسات ترامب والتطرف الديني.
متطرّفون دينيون من جهة، وقاتل متسلسل يريد الانتقام لبريء من خلال قتل أبرياء آخرين من جهة أخرى، بينما تقف (هولي غيبني) في الوسط. هذا هو جوهر رواية «لا ترتجف أبداً».
إنها رواية سياسيّة واضحة لستيفن كينغ، المعروف منذ زمن بمعارضته الشديدة لدونالد ترامب، والذي ينتقد فيها الدين بشكل صريح. ففي الرواية تقول المفتشة(إيزي) ل(هولي) :
«إذا أردت رأيي يا (هولي)، أعتقد أن الأديان تثير الفوضى.»
كما يخصص ستيفن كينغ روايته بالإهداء إلى عدد من الأطباء والمتطوّعين وموظفي الاستقبال في العيادات وعناصر الأمن والمرافقات الذين قُتلوا في الولايات المتحدة أمام مراكز تنظيم الأسرة على يد متطرفين دينيين يعارضون حق الإجهاض.
أحب الناس والقراء ستيفن كينغ كثيرًا بسبب قصصه وموهبته في السرد وشخصياته الأدبية. لكنّه اليوم يحصل على تأييد أوسع ومحبة أكبر بسبب مواقفه السياسية، التي تبدو أكثر أهميّة من أي وقت مضى في بلد مثل الولايات المتحدة ، ويبقى السباق بينه و بين ترامب مفتوحا من يجلب الرعب أكثر ، ستيفن كينغ رعبه روائي بحت بينما ترامب يجعل من الرعب حروبا ومجازر و وحشية غير مسبوقة ، تدخله التاريخ إلى جانب أعتى وأفظع الوحوش الآدمية ، الطغاة الذين سفكوا دماء ملايين البشر عبر التاريخ !

