الأوّل من آذار في فكر أنطون سعاده قراءة في المعنى النهضوي للخطابات – الحلقة الأولى

لا يمكنُ مُقارَبَةُ الأوَّلِ مِن آذار بوصفِهِ مناسبةً احتفاليّةً عابرةً أو مُجرَّد تاريخِ ميلادِ قائد؛ فهو، كما تكشفُ خِطاباتُ أنطون سعاده، تحوَّلَ إلى لحظةٍ رمزيّةٍ مُركَّبةٍ تتقاطعُ فيها السِّيرةُ الفرديّةُ مع المشروعِ القومي، ويتداخلُ فيها الزمنُ الشخصيُّ مع الزمنِ التاريخيِّ للأمّة.

منذُ المرحلةِ التأسيسيّةِ عامَ 1935، حوَّلَ سعاده عيدَ ميلادِهِ من حدثٍ خاصٍّ إلى قسمٍ علنيٍّ كرَّسَ فيه حياتَهُ للأمّة. وبذلكَ لم يَعُدِ الأوَّلُ مِن آذار مُجرَّدَ ذِكرى ولادةٍ بيولوجيّة، بل تقليدًا يتجدَّدُ فيه معنى النهضة، والوحدةِ الروحيّة، والجهادِ القومي، والزَّعامةِ بوصفِها وظيفةً عقائديّةً لا امتيازًا شخصيًّا.

تؤدّي خِطاباتُ سعاده في هذه المناسبة وظيفةً تأسيسيّةً مُتكرِّرة، إذ تُعيدُ تثبيتَ المفاهيمِ الكُبرى للمشروعِ النهضوي: الحياةِ في مواجهةِ الانحطاط، والوحدةِ في مواجهةِ التشتّت، والإرادةِ في مواجهةِ العجز. وبذلكَ تتحوَّلُ الخِطاباتُ إلى أداةٍ لإعادةِ إنتاجِ الهويّةِ الجماعيّة وتنظيمِ الوعي القومي.

إنَّ تحليلَ هذه الخِطابات يُتيحُ فهمًا أعمقَ لفلسفةِ سعاده الاجتماعيّة، حيثُ تتجلّى رؤيتُهُ للعلاقةِ بين الفردِ والأمّة، وبين الفكرةِ وتجسُّدِها التاريخي، وبين الزمنِ والهويّة. فالأوَّلُ مِن آذار ليس استعادةً لماضٍ، بل إعلانٌ دوريٌّ عن إرادةٍ مُستمرّةٍ في بناءِ حياةٍ جديدةٍ للأمّة.

ما هي الموضوعات الأساسية في هذه الخطابات؟

أوَّلًا: الحياةُ بوصفِها مشروعًا نهضويًّا

مِن أبرزِ المفاهيمِ المُتكرِّرةِ في هذه الخِطابات مفهومُ «الحياة». يتحدَّثُ سعاده دائمًا عن الحياة لا بمعناها البيولوجيِّ أو العاطفيّ، بل بمعناها الحضاري – النهضوي، مُؤكِّدًا حقَّ الأمّة في الحياةِ المجيدةِ والارتقاء. فغايتُهُ تأسيسُ الحياةِ القوميّة والارتفاعُ بها نحوَ أرفعِ مستوى.[1] والحياة، بالنسبةِ إليه، «لا نهايةَ لها لأنَّها مربوطةٌ بالغاياتِ العُظمى.»[2] إنَّها حياةُ حُريّةٍ وسيادةٍ وعِزّ؛ ولا تكونُ الحياةُ إلّا في العِزّ، لذلكَ يقول: «الحياةُ وقفةُ عِزّ».[3] وفي إحدى العباراتِ اللافتة يؤكِّد سعاده:

«سواءُ أفهمونا أم أساؤوا فهمنا، فإنَّنا نعملُ للحياة ولن نتخلّى عنها.»[4]

تكشفُ هذه العبارة، وغيرها من مقولاتِهِ حولَ الحياة، ثلاثةَ عناصرَ فكريّةٍ أساسيّة:

الاستقلالُ عن الاعترافِ الخارجي: فالعملُ للحياة لا يتوقّفُ على قبولِ الآخرين أو فهمِهم.

الاستمراريّةُ التاريخيّة: فالحياةُ ليست لحظةً عابرة، بل مسارًا طويلَ الأمد.

الالتزامُ الوجودي: فعبارةُ «لن نتخلّى عنها» تُعبِّرُ عن تعهُّدٍ وجوديٍّ لا موقفٍ تكتيكيٍّ عابر.

وعليه، يُصبحُ الأوَّلُ مِن آذار مناسبةً لإعادةِ تأكيدِ الالتزامِ بمشروعِ الحياةِ القوميّةِ الجديدة، أي مشروعِ النهضة، لا مُجرَّدَ مناسبةٍ تذكاريّة.

ثانيًا: تحويلُ الشخصيِّ إلى قومي

يُعَدُّ خطابُ عامِ 1935 لحظةً مفصليّةً في هذا السياق. فعندما جاء بعضُ الرفقاء لتهنئتِهِ بعيدِ ميلادِهِ، حوَّلَ سعاده المناسبةَ إلى قسمٍ تاريخيّ، مُعلِنًا تكريسَ حياتِهِ للأمّة.[5] وبذلك تحقَّقَ انتقالٌ نوعيٌّ للمناسبة من حدثٍ شخصيٍّ إلى حدثٍ عقائدي، ومن عيدِ ميلادِ فردٍ إلى عيدٍ قوميٍّ ومناسبةٍ لتأسيسِ التزامٍ قومي.

تكشفُ هذه النقلةُ عن منطقٍ فكريٍّ عميقٍ قوامُهُ إلغاءُ الخصوصيّةِ الفرديّةِ داخل المشروعِ العام. فالميلادُ لم يَعُد حدثًا بيولوجيًّا، بل غدا لحظةً رمزيّةً لولادةِ الالتزام.

وبهذا يتأسَّسُ تقليدُ الأوَّلِ مِن آذار لا بوصفِهِ تكريسًا للشخص، بل بوصفِهِ تذكيرًا بالقسم، أي بالفعلِ الإراديّ الذي حوَّلَ الفردَ إلى حاملِ قضيّة.

ثالثًا: الوحدةُ الروحيّةُ والعمليّة

مِن المفاهيمِ المركزيّةِ المُتكرِّرةِ في خِطاباتِ هذه المناسبة مفهومُ «الوحدةِ الروحيّةِ والعمليّة». ففي خطابِ عامِ 1943 يُشيرُ سعاده إلى أنَّ احتفالاتِ الأوَّلِ مِن آذار في الوطنِ والمغتربات تهدفُ إلى إثباتِ «وحدتِهم الروحيّةِ والعمليّةِ في العقيدةِ والشعورِ والجهاد».[6] وفي خطابِ عامِ 1948 يتحدَّثُ عن وحدةِ الروحِ العظيمةِ التي شقَّت طريقَها وبدأت تتغلغلُ في صميمِ الأمّة.[7]

يمكنُ تحليلُ هذا المفهومِ على مستويين:

  1. المستوى الروحي

وهو توحيدُ النظرةِ إلى الحياة، أي توحيدُ الإيمانِ بالعقيدةِ القوميّةِ الاجتماعيّة. فالروحُ هنا لا تُفهمُ بمعناها الميتافيزيقي، بل باعتبارِها منظومةَ القيمِ والمفاهيمِ التي تُوحِّدُ الوعيَ والاتجاه.

  • المستوى العملي

أي توحيدُ الاتجاهِ في الفعلِ والجهاد، بحيثُ لا يبقى الإيمانُ فكرةً مُجرَّدة، بل يتحوَّلُ إلى ممارسةٍ تاريخيّة. لذلك يقول سعاده: «بهذه الروحِ نحن هذه النهضةُ التي يعجبُ الناسُ لسرِّ بقائِها واستمرارِها ونموِّها وتعاظُمِ شأنِها.»[8]

إنَّ الجمعَ بين «الروحي» و«العملي» يُعبِّرُ عن رفضٍ صريحٍ للفصلِ بين الفكرِ والفعل؛ فالوحدةُ ليست شعورًا عاطفيًّا عابرًا، بل انتظامٌ في الإرادةِ والعمل.

رابعاً: الجهاد القومي كإطار للمناسبة

من خلال هذه العبارات وغيرها يمكن الاستنتاج أنَّ الأوَّل من آذار ليس عيدَ راحةٍ أو استذكار، بل عيدُ تثبيتِ الجهاد. فالمناسبة تُستعمل لتأكيد استمرار الصراع ضدَّ الإرادة الأجنبية المتحالفة مع الإرادات الخصوصية، وضدَّ «اللصوص الذين اقترعوا فيما بينهم على حقِّنا في الحياة والارتقاء.»[9]

تتكرَّر في الخطابات مفرداتٌ مثل: الجهاد، الصراع، الكفاح، مغالبة الصِّعاب. وهذا يعكس تصوُّراً للصراع بوصفه شرطاً من شروط النهوض. يقول سعاده: «إنَّ رابطةَ الجهادِ القومي أصبحت أقوى رابطةٍ تجمع القوميين الاجتماعيين حول زعيمهم ليكافحوا معه كفاحاً تُهانُ فيه أجسادُهم وتعتزُّ به نفوسُهم!».[10] وفي خطاب العودة يدعو القوميين الاجتماعيين إلى العودة إلى ساحة الجهاد، مؤكِّداً أنَّ الحركة القومية الاجتماعية هي حركةُ صراع، وأنَّه لا تكون حياةٌ بلا صراع. ويقول: «نشأنا حركةَ صراعٍ وسرنا في الصراع، ولا نزال نسير في الصراع. وإنَّ الصراع لم ينتهِ، وهو ليس بمنتهٍ انتهاءً كليّاً أبداً.«[11]

يكشف التحليل هنا أنَّ خطاب سعاده يعيد تعريف العيد بوصفه محطَّةَ تعبئة، ويربط الذكرى بالمواجهة التاريخية، محوِّلاً الزمن الدوري إلى زمن مقاومة. إننا أمام ما يمكن تسميته «الاحتفال المقاوم»، حيث لا ينفصل الفرح القومي عن وعي التحدِّي التاريخي.

خامساً: الزعامة بين الشخص والمبدأ

تُبرز الخطابات، بصورةٍ واضحة، أنَّ الزعيم لا يُحتفل به بوصفه فرداً مجرَّداً، بل بوصفه ممثِّلاً للتعاليم الجديدة. ويؤكِّد سعاده في أكثر من موضع أنَّ اسمه لا يعني شخصه فقط، بل يعني «مبادئ نهوض الأمَّة وتبوُّؤها مقام العزِّ والشرف.»[12]

ويمكن فهم هذا الطرح بوصفه سعياً إلى نقل الاهتمام والتعلُّق من الشخص إلى المبدأ؛ فالقضية ليست تمجيدَ شخصية، بل تأكيد أنَّ الزعامة قيمةٌ ووظيفةٌ مرتبطتان بالعقيدة. ومن هنا يصبح الاحتفال بالزعيم احتفالاً بالقضية التي جسَّدها، لا بشخصه بمعزلٍ عنها.

سادساً: الأوَّل من آذار كتقليد زمني مؤسِّس

تشير الخطابات إلى أنَّ احتفالات الأوَّل من آذار لم تكن محصورة في مكانٍ واحد، بل كانت تُقام في الوطن وفي المغتربات في الوقت نفسه. وهذا التزامن لا يحمل دلالةً تنظيميةً فحسب، بل معنى أعمق يتصل بوحدة الجماعة عبر المسافة والزمن.

فالمناسبة، بتكرارها السنوي وفي أماكن متعددة، تؤدِّي ثلاث وظائف أساسية: فهي تخلق إيقاعاً ثابتاً للهوية، وتثبِّت ذاكرةً جماعيةً تتجدَّد كلَّ عام، وتعيد تأكيد الانتماء جيلاً بعد جيل. وبذلك يغدو الأوَّل من آذار تقليداً زمنياً منظَّماً في حياة الحركة، مناسبةً دورية تعيد شحن المعنى الجماعي وترسيخ الهوية وتمنع التراخي في الالتزام.

خاتمة تحليلية

من خلال هذه الموضوعات المتكرّرة في الخطابات، يتبيّن أنّ الأوّل من آذار ليس مجرّد ذكرى ميلاد، بل مناسبة فكرية ونضالية تتكثّف فيها معاني النهضة القومية الاجتماعية. ففيه يتجدّد القسم، وتتأكّد وحدة العقيدة والإرادة، ويُعاد التذكير بطبيعة الصراع الذي تخوضه الأمة في سبيل حريتها وارتقائها. وهكذا تتحوّل المناسبة إلى لحظةٍ سنوية تُعيد ربط القوميين الاجتماعيين بجوهر قضيتهم، وتمنح الزمن بعدًا نضاليًا مستمرًا، بحيث لا يبقى العيد استذكارًا للماضي، بل يصبح فعلَ التزامٍ متجدّدٍ بالمستقبل الذي ناضل سعاده من أجل تحقيقه.

                                                                     يتبع


[1] سعادة في أول آذار، خطاب 1938، ص 21؛ وخطاب 1940 ص 59.

[2] المرجع ذاته، خطاب 1949، ص 102.

[3] المرجع ذاته، ص 101.

[4] المرجع ذاته، ص 5.

[5] راجع نص القسم في الصفحة 7 من المرجع ذاته.

[6] المرجع ذاته، خطاب 1943، ص 75.

[7] المرجع ذاته، خطاب 1948، ص 90-91

[8] المرجع ذاته، خطاب 1948، ص 91.

[9] المرجع ذاته، خطاب 1943، ص 75.

[10] المرجع ذاته، خطاب 1943، ص 74.

[11] المرجع ذاته، خطاب 1949، ص 99-100.

[12] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد السابع 1944 – 1947، “حديث الزعيم إلى مجلة “الكوكب”، الشمس، بيروت، العدد 290، 20/08/1947.

د. ادمون ملحم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *