عقب فتح القسطنطينية عام 1453م، أرست السلطنة العثمانية دعائم نظام إداري فريد عُرف بـ «نظام الملة»؛ وهو ابتكار سياسي استهدف تيسير حكم إمبراطورية شاسعة تضم طوائف ومللاً متباينة من المسلمين والمسيحيين واليهود. كان الغرض الجوهري من هذا النظام هو تقليل حدة الثورات الداخلية وترسيخ نمط من الحرية الدينية الذي يسهم في تشجيع الانتماء للدولة بعيداً عن الصراعات العقائدية، إلا أن هذا المسار لم يخلُ من مفارقات تاريخية عميقة. فبينما منح النظام استقلالية ذاتية للرعايا، فإنه أنتج في المقابل زعامات طائفية محلية حُملت عبء تنظيم جماعاتها وجباية مستحقات الدولة، مما أدى بمرور الوقت إلى تكريس الانقسام وتجزئة المجتمع الكبير إلى هويات فرعية متقوقعة. ومع حلول القرن التاسع عشر، خضع هذا النظام لترميمات وتغيرات جذرية ضمن «إصلاحات التنظيمات»، وهي المرحلة التي تحول فيها التنوع من مصدر قوة إلى مدخل لتغلغل الدول الغربية في النسيج العثماني. فقد استغلت القوى الكبرى نظام الملة لدعم طوائف بعينها، مما أجج الصراعات البينية وزعزع الولاء للدولة المركزية، ليتحول هذا النظام ـ الذي أراد به الفاتح توحيد الإدارة – إلى أحد أبرز العوامل التي مهدت لاحقاً لتفكك السلطنة وانهيارها تحت وطأة النزاعات الطائفية والتدخلات الأجنبية.
في القرن التاسع عشر تحول قانون الملة إلى بوابة شرّعها الضعف العثماني أمام تغلغل القناصل والإرساليات الأجنبية؛ حيث وجدت القوى الكبرى في هذا النظام ثغرة مثالية لفرض وصايتها تحت مسمى «حماية الأقليات». فشرعت كل دولة أوروبية في «تبني» طائفة بعينها كأنها رعية تابعة لها؛ فنصبت روسيا القيصرية نفسها حامية للأرثوذكس، واتخذت فرنسا والفاتيكان من الكاثوليك والموارنة الركيزة لنفوذها، بينما سعت بريطانيا لمد خيوطها عبر دعم الدروز كموطئ قدم طائفي مماثل. هذا التدخل لم يقتصر على الدبلوماسية، بل امتد عبر الأذرع التعليمية والثقافية للإرساليات التي أعادت صياغة ولاءات الأفراد بعيداً عن المركز في القسطنطينية، مما خلق طبقة من «المحميين المتعلمين» الذين يتمتعون بامتيازات أجنبية تجعلهم فوق القانون العثماني. وبذلك، تحولت الطوائف من مكونات اجتماعية ضمن نسيج الدولة إلى أدوات سياسية وقومية متمردة، يغذي الخارج طموحاتها الانفصالية ويدفعها نحو التناحر البيني، مما جعل من «نظام الملة» في فصوله الأخيرة معولاً فعالاً في يد القوى الدولية لتفكيك السيادة العثمانية وتمزيق وحدتها الجغرافية والاجتماعية من الداخل.
ويبرز لبنان في القرن التاسع عشر كأوضح نموذج لهذا الاستقطاب؛ حيث تحول جبل لبنان ومدن الساحل إلى ساحة مفتوحة لـ «سباق إرسالي» محموم تجاوز في غاياته الروحية ليكون أداة تفوق سياسي واجتماعي. وتشير التقديرات التاريخية إلى أن عدد المدارس الإرسالية والأجنبية في لبنان وسوريا قد تضاعف بشكل مذهل مع نهاية القرن التاسع عشر، ليصل إلى أكثر من 300 مدرسة إرسالية، كان نصيب لبنان منها هو الأكبر والأكثر تنوعاً. وقد اتخذ هذا الانتشار نمطاً جغرافياً ومذهبياً دقيقاً عكس توازنات القوى الأوروبية؛ فبينما أحكمت الإرساليات الفرنسية (اليسوعية واللعازارية) قبضتها على جبل لبنان وكسروان والمدن ذات الثقل الماروني والكاثوليكي، تركزت الإرساليات الأمريكية والبريطانية في بيروت. وفي المقابل، شهدت بيروت وبعض المناطق الساحلية أيضاً نشاطاً لافتاً للإرساليات الروسية التي ركزت على الطوائف الأرثوذكسية، مما حول الخارطة اللبنانية إلى «فسيفساء من الولاءات الأجنبية». هذا الزخم الإرسالي كشف عن خلل بنيوي في تعامل القوى الأوروبية مع مكونات المجتمع؛ إذ تركز الدعم المادي والتقني والتعليمي بشكل شبه حصري على المسيحيين، مما منحهم أفضلية تعليمية واقتصادية هائلة جعلت منهم «نخبة» مرتبطة ثقافياً وسياسياً بالغرب. وبحلول عام 1914، بلغت نسبة المتعلمين في لبنان نحو 50%، وهي نسبة مذهلة بمقاييس ذلك العصر، لكنها كانت موزعة بشكل غير عادل طائفياً. وفي حين ازدهرت مدارس الإرساليات، ظل المسلمون يعتمدون إلى حد كبير على «الكتاتيب» التقليدية، مما خلق فجوة حضارية وطبقية حادة، ولّد شعوراً بالتهميش لدى المسلمين الذين رأوا في جيرانهم «رعايا مدللين» لقوى أجنبية، وعزز بالمقابل شعور الفوقية لدى المسيحيين، مما مهد الطريق لصدامات دموية كانت فتنة عام 1860 أبرز تجلياتها المأساوية.
وعقب انهيار السلطنة العثمانية وبروز خارطة الكيانات الوطنية الجديدة، لم يكن نشوء «دولة لبنان الكبير» عام 1920 مجرد إجراء إداري، بل جاء كترسيخ نهائي للنفوذ الفرنسي وتتويجاً لعقود من التحالف مع الموارنة. لقد أُنشئ هذا الكيان ليكون «هدية سياسية» للحلفاء التاريخيين لباريس، حيث تم توسيع حدود الجبل لتشمل مدناً ومناطق ذات أغلبية مسلمة، مما خلق كياناً وظيفته خاصرة رخوة،وقاعدة انطلاق استراتيجية للنفوذ الغربي في المنطقة. وقد انعكست هذه الفلسفة التأسيسية بشكل فج في هيكلية النظام السياسي الذي أُرسيت دعائمه، حيث تم استنساخ روح «نظام المتصرفية» وتأطيرها في قوالب دستورية حديثة عبر «الميثاق الوطني». فكرّس النظام سيطرة المسيحيين على مفاصل الدولة الناشئة؛ إذ جُعل منصب رئاسة الجمهورية حكراً على الموارنة مع صلاحيات واسعة جداً، ووُزعت مقاعد البرلمان والحقائب الوزارية على أساس طائفي يضمن الأغلبية للمسيحيين (بنسبة 6 إلى 5 آنذاك)، مما جعل الدولة تبدو في نظر محيطها وكأنها قلعة للمصالح الغربية بصبغة محلية، وليس وطناً قائماً على المواطنة المتساوية، وهو ما عمق الشعور بالاغتراب السياسي لدى المكونات الأخرى وأرسى بذور الصراعات التي انفجرت لاحقاً في وجه هذا «التوازن الهش».
جلال الصايغ ـ الحلقة الأولى

