في الأوّل من آذار، لا نستعيد ذكرى رجلٍ وُلد فحسب، بل نستعيد لحظة انبثاق وعيٍ في جسد أمة. ففي ميلاد أنطون سعاده، لم يُولد فردٌ عابر في سجلّ الأيام، بل وُلد سؤال النهضة في وجه الانحطاط، وارتفع صوت الفكر في زمن التيه، وتشكّلت إرادة الحياة حيث كان الاستسلام سيّد الموقف.
جاء سعاده في مرحلةٍ كانت فيها سورية الطبيعية ممزّقة بين احتلالٍ مباشر وتفكّكٍ داخلي، بين عصبيّاتٍ قاتلة وأوهامٍ مستوردة. فجعل من ميلاده الفكري إعلان تمرّد على واقعٍ مُرادٍ له أن يبقى قدَراً. لم يقبل أن تكون مكوّنات الشعب السوري جماعاتٍ متناحرة، ولا أن يكون التاريخ مجرّد حنينٍ إلى أطلال، بل رآها أمّة حيّة، واحدة بوحدة أرضها ومصالحها ومصيرها.
لم تكن نهضته خطابًا عاطفيًا عابرًا، بل مشروعًا فكريًا متكاملاً: تعريفٌ علميّ للأمّة، فهمٌ جديد للدين والدولة، قراءةٌ واقعية للاقتصاد والاجتماع، وإعلاءٌ لقيمة النظام والواجب والتضحية. لقد نقل الصراع من دائرة الانفعال إلى ميدان الوعي، ومن ردّ الفعل إلى الفعل المنظّم. وهنا تكمن عظمة الميلاد: ميلاد الفكرة التي تُخرج الأمة من التاريخ المتلقي إلى التاريخ المصنوع.
في فكره، لم تكن القومية انغلاقًا، بل وعيًا بالذات شرطًا للانفتاح. ولم تكن المقاومة مجرّد بندقية، بل بناء إنسانٍ جديد، مؤمنٍ بأن الحرية تُنتزع ولا تُوهب، وأن السيادة فعل إرادة لا منحة توازنات. لذلك صار ميلاده رمزًا لميلاد إنسانٍ جديد: إنسان النهضة، الذي يعرف حقوقه، ويؤدي واجباته، ويعي أن الأمة ليست شعارًا، بل مسؤولية.
إنّ الأوّل من آذار ليس مناسبة احتفالية، بل امتحانٌ متجدّد: هل ما زالت الفكرة حيّة فينا؟ هل ما زال فينا من يؤمن بأن سورية الطبيعية ليست جغرافيا متنازَعًا عليها، بل وحدة حياة ومصير؟ هل ما زال فينا من يرى في العقيدة القومية الاجتماعية مشروعًا لبناء مجتمعٍ أقوى من الطوائف، وأعدل من الإقطاعيات السياسية، وأرسخ من الكيانات المصطنعة؟
في ميلاد سعاده، نتذكّر أن النهضة ليست حدثًا وقع وانتهى، بل فعلًا مستمرًا يتجدّد كلما تجدد الإيمان. هي ثورةٌ على الجمود، وعملٌ دؤوب لتحرير العقل من الخرافة، والسياسة من التبعية، والاقتصاد من الاحتكار، والمجتمع من التفكك.
سلامٌ على ميلادٍ أضاء درب الأمة، وعلى فكرٍ أراد لها أن تكون سيّدة نفسها. وسلامٌ على كل من يحمل شعلة النهضة اليوم، لا كذكرى تُردّد، بل كعهدٍ يُستكمَل، حتى تستعيد الأمة وحدتها وقوّتها ودورها في صناعة التاريخ.

