بعد هروب الأسد ليست نهاية نظام ….. بل بداية امتحان أمة

إن سقوط نظام عائلة الأسد لا يعني فقط نهاية مرحلة سياسية امتدت لعقود، بل يعني انهيار نموذج كامل من إدارة الدولة والمجتمع. سورية اليوم ليست أمام تغيير وجوه، بل أمام لحظة إعادة تأسيس. وفي هكذا لحظات، تُختبر الأحزاب العقائدية: هل هي أدوات ظرفية، أم مشاريع تاريخية؟

الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي أسسه الزعيم أنطون سعادة، يقف أمام لحظة مصيرية تشبه في رمزيتها لحظة التأسيس الأولى. الفرق أن التحدي اليوم ليس مقاومة استعمار مباشر، بل إنقاذ مجتمع مهدد بالتفكك، ودولة مهددة بالتقسيم، وهوية مهددة بالذوبان.

أولاً: الانتقال من موقع المساندة إلى موقع المبادرة

طوال سنوات، ارتبط الحزب ـ في وعي كثيرين ـ بمحاور وتحالفات فرضتها ظروف الصراع. المرحلة الجديدة تفرض قطيعة واضحة مع منطق «التموضع خلف السلطة»، والانتقال إلى موقع المبادرة الوطنية.

المطلوب:

إعلان مراجعة سياسية شاملة للمرحلة السابقة. والتأكيد أن الحزب ليس ملحقاً بأي سلطة، بل هو مشروع دولة. وصياغة خطاب جديد يخاطب السوريين جميعاً، لا جمهوراً محدداً. فالقضية اليوم ليست الدفاع عن الماضي، بل صياغة المستقبل.

ثانياً: طرح مشروع دستوري واضح

لا يكفي رفض التقسيم أو الفدرلة، بل يجب تقديم بديل عملي. وعلى الحزب أن يطرح: دستوراً يؤكد وحدة سورية أرضاً وشعباً ونظاماً سياسياً مدنياً قائماً على المواطنة لا الطائفية. ولامركزية إدارية موسعة تعزز التنمية دون تفكيك الكيان.

القومية الاجتماعية، كما صاغها سعادة، تقوم على وحدة المجتمع لا على تفتيته، وعلى الدولة الواحدة لا على الكانتونات.

ثالثاً: إعادة بناء الثقة الشعبية لأن أخطر ما أنتجته سنوات الاستبداد والحرب هو فقدان الثقة بين المواطن والسياسة.

وإذا أراد الحزب أن يكون فاعلاً، فعليه: إطلاق مبادرات مصالحة أهلية حقيقية.

ودعم تشكيل لجان عدالة انتقالية مستقلة. والانخراط في العمل البلدي والخدماتي المباشر.

الناس اليوم لا تبحث عن خطابات عالية فقط، بل عن أفعال تلامس حياتها اليومية.

رابعاً: أولوية الاقتصاد الإنتاجي فالدولة التي لا تنتج لا تستقل.

المرحلة القادمة يجب أن تشهد تحولاً من اقتصاد الريع والفساد إلى اقتصاد إنتاجي حقيقي يقوم بما يلي:

دعم الزراعة والصناعات الغذائية. وإعادة تأهيل البنية التحتية الصناعية.

وتشجيع المبادرات المحلية الصغيرة. وهنا يتقاطع الفكر القومي الاجتماعي مع ضرورة إعادة الاعتبار للريف السوري، الذي كان دائماً العمق الحيوي للأمة.

خامساً: الشباب والجامعة وإذا لم يكسب الحزب الجيل الجديد، فلن يكون له مستقبل.

المطلوب:

تجديد الخطاب بلغة معاصرة. واستخدام أدوات التواصل الحديثة. وإعادة إحياء العمل الثقافي والفكري داخل الجامعات.

المعركة اليوم هي معركة وعي وهوية، لا مجرد صراع سياسي.

سادساً: موقف واضح من السلاح والشرعية فالدولة الجديدة لا يمكن أن تقوم في ظل تعدد السلاح خارج مؤسساتها.

وعلى الحزب أن يعلن التزامه الصريح بأن:

الشرعية تُستمد من الشعب عبر الانتخابات. والسلاح يجب أن يكون حصراً بيد الدولة.وان العمل السياسي هو السبيل الوحيد للتغيير.

بهذا فقط يمكن للحزب أن يتحول من قوة مقاومة ظرفية إلى قوة دولة دائمة.

سابعاً: الانفتاح على كل المكونات

سورية اليوم متعددة في انتماءاتها الدينية والثقافية، لكن وحدتها ليست خياراً، بل ضرورة وجودية.

والحزب مدعو إلى إطلاق خطاب جامع يطمئن الأقليات دون أن يعزلها.

ورفض أي خطاب ثأري أو إقصائي. وأيضا التأكيد أن المواطنة هي الرابط الأعلى بين السوريين.

المرحلة القادمة لن ترحم الأحزاب التي تعيش في الماضي، ولن تعطي فرصة لمن ينتظر ظروفاً مثالية.

إما أن يكون الحزب السوري القومي الاجتماعي مشروع دولة حقيقي، واضح الرؤية، جريء في المراجعة، صلب في الثوابت…

وإما أن يتحول إلى صفحة في كتاب التاريخ.

إن سقوط نظام لا يكفي لبناء وطن. فالوطن يُبنى بإرادة سياسية، وتنظيم حي، وعقيدة تتحول إلى عمل .وسورية اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج إلى مشروع دولة… لا إلى مشروع سلطة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *