استعراض العضلات والحرب

انتظر العالم بأنفاس محتبسه خطاب دونالد ترامب عن حالة الاتحاد امام الكونغرس في وقت تتأزم في حالة الاقتصاد ويعاني المواطن الامريكي من صعوبات جمة وهو الذي يهمه وضعه الداخلي أكثر مما تهمه السياسات الخارجية، الامر الذي ادى الى تدني شعبية دونالد ترامب بشكل متسارع، هذا في الوقت الذي تستعد فيه الولايات المتحدة للدخول في بازار الانتخابات النصفية في تشرين الثاني القادم حيث سيتم اعاده انتخاب كامل مجلس النواب وثلث اعطاء مجلس الشيوخ.

كعادته تبجح ترامب بإنجازات عددها في خطابه، وقال انها انقذت البلاد بعد اربع سنوات عجاف من ادارة بايدن الفاشلة، وقال ان ادارته استطاعت بزمان قياسي ضبط التضخم الاقتصادي ورفع اسعار الاسهم والسندات وخفضت اسعار الدواء وبعض السلع الأساسية، ولكن هذه الانجازات التي ادعاها دونالد ترامب لا تتفق مع الاسعار المعلنة على رفوف محلات  البقالة والسوبر ماركت و الصيدليات، ولا تتفق ايضا مع ما يراه اهل الاقتصاد والسياسة في الولايات المتحدة او مع قرارات المحكمة العليا التي قضت بإبطال مراسيم ترامب المتعلقة بفرض رسوم جمركية اضافية لان ذلك وفق الفتوى القضائية ليس من صلاحياته

على الصعيد الدولي عاد ليؤكد ان الحرب الروسية- الأوكرانية ما كانت لتندلع لو كان وقت اندلاعها في سدة الرئاسة، وانه اجتمع وتحدث مع زيلنسكي وبوتين مرارا وان ادارته تبذل جهودا لإنهائها حيث ستكون في هذه الحالة هي الحرب التاسعة التي سيوقفها، ومر بشكل سريع على التأزم مع شركائه في الناتو حول الاستيلاء على جرينلاند وانتصاره على مادورو وكذلك مرّ على غزة مذكرا بدوره في انهاء الحرب وفي استعادة الاسرى والجثامين.

لكن الملف الاخطر والاكثر سخونة هو ملف إيران فهو الذي سيحدد شكل هذا الجزء من العالم، حيث قال ان التفاوض مع إيران هو الحل الأمثل، ولكن الاستعداد للحرب لا زال قائما فقد عاد ليقول انه لن يسمح لأكبر راعي للإرهاب في العالم ان يستمر في نشر الفوضى والقتل والكراهية خاصة اذا امتلك سلاح النووي.

وان تجاوزنا الابعاد الانتخابية للخطاب او تلك المتعلقة بشخصية ترامب المتورمة نرى ان مسار التفاوض لا زال قائما بوساطة عمانية، ولكن بالترافق مع الحشود العسكرية الأمريكية غير المسبوقة في المحيط الهندي والابيض المتوسط وكان اخرها وصول أكبر حاملة طائرات في العالم الى ميناء حيفا.

 يستعرض ترامب العضلات الأمريكية بهذه الحشود وان كانت المسالة لا تحتاج الى كل هذا الاستعراض، فمما لا شك فيه ان القوة العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة هي قوة ذات طابع كوني لا يستطيع احد ان يجاريها، وهذا الامر لابد ان طهران تعرفه تماما فهي ذات الحسابات الدقيقة، وان كانت لا تجعلها تبدو مرتعدة وانما تجري بالمقابل مناورات في المحمرة- الاهواز بالصواريخ الباليستية، وتعرف طهران تماما ان المنتصر بالحرب ليس دائما والاقوى وانما من يستطيع ادارة المعارك بشكل افضل ومن يملك قدر اعلى من الصبر والقدرة على الاحتمال ثم ان هذه الحرب لن تؤدي بإيران كوطن و حضارة في اسوأ احوالها، وهي قادرة على النجاة حتى ولو تعرضت الى خسائر فادحة، الا انها لدى واشنطن هي حرب صفرية ربح كامل او خسارة كاملة ولا مجال لمكان وسط، وان اندلعت الحرب فسيكون المتضرر الاكبر منها دولة الاحتلال والجوار الايراني على الساحل المقابل للخليج الذي ان استطلى بنارها فقد لا تقوم له قائمة.

يتفق كثيرون مع هذا الراي في الولايات المتحدة وهم يرون ان الذهاب الى خيار الحرب، مقامرة بالمصالح الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة، لذلك هناك دعوات لتقييد صلاحيات الرئيس بإعلان الحرب وجعل قرارها بيد الكونغرس، ايضا يجب الادراك ان ترامب حتى ولو بدا على قدر عال من الطيش والتسرع في سلوكه وكلامه الا انه يدرك في النهاية انه ان لم يكن على يقين من الفوز في هذه الحرب فلن يقدم عليها.

هكذا فان الاحتمال الأكثر ترجيحا هو تواصل التصعيد من كلا الجانبين مع ابقاء نافذة التفاوض مفتوحة وان كان الخوف يبقى قائما بان هذا القدر العالي من الشد العصبي والتوتر العسكري والحشود واكوام البارود وان بدا محكوم بضوابط من الفريقين الا ان شرارة عابرة او خطا غير محسوب قد يطيح بهذا الاحتمال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *