من يراقب الوضع في سوريا يصاب بالدهشة كل يوم من التناقضات التي يعيشها الشعب «السوري» وحكومته.
بعد التوصل للاتفاق مع الجانب الكردي عبر التخلي الأمريكي عن دعم قسد وحتى التخلي عن حماية المنشآت التي يتم فيها احتجاز عناصر تنظيم داعش الارهابي والذي يعتبر السبب والذريعة التي من خلالها شهدت المنطقة الشرقية دخول عناصر القوات الأمريكية وانشاء قواعد عسكرية فيها، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي موجة من ترداد المواقف والآراء عبر صفحات مؤيدة لحكومة الجولاني من خلال انتشار مقاطع فيديو من هذه المنشآت للتسويق بأن المحتجزين داخلها هم ثوار مظلومين وليسوا عناصر إرهابية ،سبق وشكلوا خطراً كبيراً على العالم أجمع بحسب مزاعم كل حكومات الشرق والغرب.
يشعر المتابع أننا نشهد عملية تبييض صفحات لهؤلاء الأشخاص ليعاد استخدامهم بمسميات أخرى، أو تجنيدهم مرة أخرى تحت لواء وزارة الدفاع، كونهم أصلاً يتبعون في ولائهم لأمير تنظيمهم أبو محمد الجولاني والذي يعتبر الرابح الأكبر من هذه العملية، كما شهدت العمليات عدة حالات هروب من هذه العناصر ممن اندمجوا مباشرة مع القوات التابعة لوزارة الدفاع السورية.
وفيما عاش مؤيدو السلطة الانتقالية حالة النشوة والانتصار على تنظيم قسد كانت دوريات الاحتلال الاسرائيلي تسرح وتمرح في الجنوب السوري بكامل حريتها وتنتهك الممتلكات وتعتقل من تشاء دون أي رد فعل أو صوت ولا حتى استنكار أو احتفاظ بحق الرد كما يقول المتهكمون.
أما بعد وقد شهد الأسبوع المنصرم افتتاح مهرجان معرض الكتاب في دمشق والذي أخذ نصيبه أيضاً من اهتمام الجمهور ما بين حضور جاء يحتفل ويتبضع من مناهل الكتب السلفية التي شهدت مبيعات تاريخية وانفلات أمني انتشرت أخباره بسبب سرقة سيارة تابعة للوفد السعودي الذي زار المعرض، وتزامن هذا المهرجان مع كارثة انسانية كانت مفاجئة للحكومة المؤقتة مع أنها تتكرر كل عام بسبب السيول التي تضرب مخيمات اللاجئين في الشمال السوري، ورغم أن الحكومة أمضت العام المنصرم كله تجمع التبرعات في المحافظات وبمبالغ كبيرة وصفها البعض بمزادات علنية لنيل الرضى مع ذلك لم يكن لهذه المخيمات التي تعتبر أهم أولويات أي «ثائر» حقق أهدافه بتحريرالوطن،ليأخذ المواطن حقه في العودة إلى بيته وأرضه أو على الأقل تأمين أبسط حالات الأمان والتوطين فأمر المخيمات بقي مأساة لم تحّل .
كل ما سبق بقي صراعا لا يتوقف على وسائل التواصل دون النظر الفعلي إلى حقيقة الكارثة التي يعيشها المواطن السوري في اموره الحياتية والبنى التحتية ولا يزال هذا المواطن فعلياً، لا يعرف طبيعة دولته ولا ماهية نظامها ولا قوانينها.
إن المجتمع السوري يعيش حالة تغييب كاملة وإلهاء فعلي عن كل ما يجري من حوله وعن مصالحه الفعلية في بناء دولة مؤسسات فعلية تكون ضامنة لهذا المجتمع حقوقه وتدير واجباته لضمان تحقيق مصالحه، فنراه تارة منشغل بالطائفية وتارة بملفات فضائح ابستين أو إشاعة عن أحد أفراد عائلة الأسد.
إن سوريا تشهد سيطرة فعلية لوسائل التواصل الاجتماعي على حركة المجتمع الخاملة الا وقت الخلافات وتحريك الأحقاد الدامية وتنجح فعلياً في تمييع قضايا الوجود الفعلية لهذا المجتمع ككيان واحد له هوية تديرها مصالح جمعية لا مصالح فئوية ضيقة.
سومر الفيصل

