ليست التحوّلات التي تضرب سورية اليوم حدثاً طارئاً، ولا هي نتيجة سنوات قليلة من الحرب فحسب. ما نعيشه هو حصيلة مسار طويل من الانقلابات، ومن العبث بالحياة السياسية، ومن تحويل الوطن إلى ساحة تجارب أيديولوجية لم تُبنَ على أسس مؤسساتية سليمة.
سورية لم تنهَر فجأة.
سورية أُضعفت تدريجياً، حين أُقصيت السياسة، وصودرت الحرية، واستُبدلت الدولة بالمزاج الحزبي، وتحولت المؤسسات إلى أدوات ضبط بدل أن تكون أدوات بناء.
الناصرية: وحدة عاطفية بلا مؤسسات
عندما دخلت سورية تجربة الوحدة مع جمال عبد الناصر عام 1958، ارتفعت شعارات العروبة والوحدة الشاملة. بدا المشهد آنذاك عاطفياً جارفاً، لكن خلف الحماسة الشعبية جرت خطوات خطيرة:
حُلّت الأحزاب السياسية، أُلغيت الحياة البرلمانية، تركز القرار خارج الجغرافيا السورية، ودخل الاقتصاد في دوامة تأميمات واسعة أربكته وأفقدته توازنه.
لم تُبنَ وحدة على قاعدة دستورية متوازنة، بل فُرض نموذج مركزي ألغى خصوصية الحياة السياسية السورية. كانت وحدة بلا شراكة حقيقية، وبلا مؤسسات تضمن التوازن والاستمرار.
أنطون سعادة كان قد حذّر من هذا النمط من المشاريع العاطفية التي لا تستند إلى بناء دستوري واضح. فالنهضة عنده لا تقوم على الذوبان في خطاب واسع، بل على تأسيس دولة قومية بمؤسسات راسخة، تحفظ الكيان وتمنع الاستفراد.
البعث: حين اختُصر الوطن في حزب
ثم جاء حزب البعث إلى السلطة عام 1963 بشعارات “حرية، اشتراكية، وحدة”. لكن العقود اللاحقة كشفت الفجوة العميقة بين الشعار والواقع.
جرى تحويل الحزب إلى مرجعية فوق الدولة، وأُخضعت مؤسسات الجيش والإدارة لمنطق الولاء السياسي، وتوسّع دور الأجهزة الأمنية حتى باتت أقوى من روح القانون. أُلغيت الحياة السياسية الفعلية، وغابت التعددية الحقيقية، وتحول البرلمان إلى إطار شكلي.
تدريجياً، تحولت الدولة إلى منظومة مغلقة، والمجتمع إلى جمهور صامت. لم يعد هناك تداول سلطة، ولا رقابة فعلية، ولا محاسبة. اختُصر الوطن في حزب، واختُزلت الدولة في سلطة ضيقة.
في فكر أنطون سعادة، الحزب ليس بديلاً عن الدولة، ولا وصياً عليها. الحزب أداة نهضوية لتكوين وعي الأمة، أما الدولة فهي كيان حقوقي مؤسساتي فوق الأحزاب جميعاً. وعندما يختلط الحزبي بالسيادي، تنهار التوازنات ويبدأ التآكل من الداخل.
ثقافة الشعارات بدل ثقافة البناء
المشكلة لم تكن فقط في احتكار السلطة، بل في تكريس ثقافة سياسية تقوم على الخطابة بدل التخطيط، وعلى التعبئة بدل الإصلاح.
شعارات الصمود رافقها تراجع تنموي، وخطاب المعركة الدائمة رافقه جمود داخلي، واستقرار شكلي أخفى هشاشة بنيوية.
ضعفت الطبقة الوسطى، توسّع الفساد، تراجعت الكفاءة أمام الولاء، وغابت المحاسبة. ومع الوقت، انفصلت الدولة عن المجتمع نفسياً قبل أن تنفصل عنه سياسياً.
انفجار الحاضر نتيجة حتمية
عندما اندلعت الأزمة، لم يكن الانفجار وليد لحظة، بل نتيجة تراكم طويل من الانسداد.
الدولة التي لا تقوم على مشاركة سياسية حقيقية،
والاقتصاد الذي لا يقوم على عدالة وإنتاج،والنظام الذي لا يسمح بالمراجعة،
كلها عناصر مهيّأة للاهتزاز عند أول صدمة.
المسؤولية التاريخية هنا لا يمكن التهرب منها. كل من ساهم في تعطيل الحياة السياسية، وكل من اعتبر الوطن ملكية حزبية، وكل من قدّم الولاء على الكفاءة، يتحمل جزءاً من هذا المسار الذي قاد إلى التحولات العاصفة التي نشهدها اليوم.
العودة إلى مشروع الدولة القومية
إن التحولات التي تمر بها سورية اليوم تفرض مراجعة جذرية، لا ترقيعاً سياسياً، ولا إعادة إنتاج الماضي بلباس جديد. لا يكفي تغيير العناوين إذا بقيت البنية نفسها.
الحل لا يكون باستبدال احتكار باحتكار، ولا بتدوير الأزمات، بل بالعودة إلى مفهوم الدولة كما يجب أن تكون:
دولة قانون، ودولة مؤسسات ودولة تفصل بين الحزب والسلطة ودولة تجعل المواطن شريكاً لا تابعاً.
سورية لا تحتاج شعارات جديدة، بل تحتاج نهضة حقيقية تعيد الاعتبار لفكرة الدولة، وتبني عقداً وطنياً يقوم على الحرية المسؤولة والعدالة والشفافية.
لقد دفعت سورية ثمناً باهظاً لسنوات من الشعارات الفارغة، ولعقود من اختزال الوطن في حزب، ولتحويل الدولة إلى جهاز يخاف من شعبه بدل أن يحميه.
اليوم لم يعد مقبولاً تجميل الفشل ولا إعادة تسويق الماضي. المرحلة تفرض مواجهة الحقيقة كاملة:
لا خلاص لسورية إلا بدولة قانون حقيقية ولا نهضة بلا حرية مسؤولة،
ولا سيادة بلا شعب شريك في القرار.
إن التحوّلات التي نعيشها ليست نهاية، بل لحظة فرز تاريخي:
إما أن نكسر حلقة الاستبداد المقنّع بالشعارات، وإما أن نبقى ندور في الخراب ذاته بأسماء مختلفة.
سورية ليست حزباً، وليست نظاماً، وليست مرحلة عابرة…
سورية أمة حيّة، متى امتلكت إرادتها استعادت دورها وصنعت مستقبلها.
إبراهيم الدن

