معضلة صناعة الوعي السوري!؟

لم تعد تنقصنا الحروب في سوريا بحدودها الطبيعية، لا بل تفيض علينا. ولم نعد نفتقر إلى الأسلحة، بل ها نحن نتكدّس بها، فيما تعاني عقولنا من خواء، وجماعاتنا/ أقليّاتنا من هشاشة فكرية وانعزالية مقلقة. في زمن تتقدّم فيه الأمم ببناء منصّاتها الرقمية والعلمية، وبتحصين وعيها القومي من التزييف والتشويه، لا يزال شعبنا يواجه أكثر الأخطار فتكًا بلا دروع: الجهل، والاختراق، والدسّ، والتشكيك، وتوظيف العملاء لاختراق الوعي قبل الأوطان، لكي تكون الهزيمة: ناعمة، وناعسة، ومخاتلة.

إن المجتمع الذي لا يزرع في أفراده القدرة على السؤال، محكوم عليه أن يعيش في الظل. فالتربية التي تقتل الفضول تقتل الحرية، والتعليم الذي يُلقّن ولا يُناقش يصنع موظفين لا مفكرين. وحين يُستعبد العقل، يُستعبد كل شيء بعده: الجسد، والرأي، والحلم.

لم تكن أخطر الحروب عسكرية فقط، بل فكرية، حيث يُخترق وعي المجتمعات قبل حدودها.. إن أخطر السجون ليست تلك التي تُشيَّد من جدران وأسلاك، بل تلك التي تُزرع في داخلك حين تُقنع نفسك أن الدخلاء قدر لا يُقاوم، فتستسلم وتقبل أن يدير حياتك تاجر أصوات أو سمسار مناصب.. سوريا ليست بحاجة لغطاء مذهبي وعرقي، بل لمشروع فكري وطني طويل النفس، يعيد للإنسان السوري ثقته بوطنه، وتاريخه، وقيمه، ويُعيد تعريف العدو والصديق ضمن إطار مجتمع وطني متعدّد، لا مذهبي أو عرقي.

ولكن السؤال هو: كيف نتيح لحالة التنوع أن تقودنا إلى التعايش والوحدة وليس إلى الانقسام والحروب؟ لا ريب أن الإجابة على هذا السؤال المركزي، يعد من القضايا الأساسية التي تساهم في خلق رؤية جديدة لواقع التعدد والتنوع في مجتمعنا. وأن صون الحقوق الثقافية والسياسية للتنوّعات هو السبيل الذي يوصلنا إلى أن تكون حالة التنوع الثقافي/ الاجتماعي طريقًا للتعايش والوحدة بدل أن تكون سببًا للانقسام والحروب.

هناك نوع من المثقفين ـ  وهم كثر هذه الأيام ـ  يميلون حيث تميل بهم رياح المال والجاه والسلطة، لا يقيمون وزنًا لمبدأ طالما تغنّوا به وأظهروا الدفاع عنه، وأكدوا أنهم يفدونه بأرواحهم، وقد أثبت الواقع أنهم من أكثر الناس وقاحة وكذبًا وسعيًا وراء شهواتهم المادية والمعنوية. وهذا الصنف من المثقفين لا يظهرون إلا في الأزمات التي ترفض المواقف الرمادية التي تعوّدوا عليها سنوات طوال، فإمّا أن يكونوا معها وإمّا أن يكونوا ضدها، ولأنهم من باعة المبادئ فإنهم دائما ينحازون لما يُطلب منهم مادام هناك مشتر يدفع الثمن!!

المثير للسخرية أن بعض نخبنا، ممن يفترض بهم أن يكونوا الحماة الطبيعيين لهذا الوعي، انخرطوا دون وعي (أو بوعي كامل) في مشاريع التشكيك والتفكيك والتخوين. لقد أصبح بعض الأكاديميين والمثقفين أدوات ناعمة لاختراقات خطيرة تشكّل ثغرات في بنية المجتمع، أخطر من أي ثغرة عسكرية.

ما يحتاجه مجتمعنا السوري اليوم هو أن نعيد له حصانته، أن نصنع له استنهاضاً فكريًّا من العقل، والعدل، والهوية، والمناعة المعرفية. أن نفكك الخطاب المذهبي القميء الدخيل، ونحصّن الأجيال من أن تكون أدوات في يد أعدائها. فمن دون ذلك، لن يفيدنا ألف سلاح، إن كان العدو قد اخترق عقولنا قبل حدودنا.

ولعل أكثر ما يثير القلق من الاختراق الخارجي هو الاستعداد الداخلي للتجاوب معه. هناك في كل مجتمع عملاء فكر، جاهزون لتبرير الانهيار، والتطبيع، والتشكيك، وهم أكثر فتكًا من الجواسيس التقليديين، لأنّهم يعملون من داخل الثقة لا من خارجها، ويتحدثون بلغتنا لكنهم يبثّون أجندة الغير.

لم يعد وطننا السوري ساحة صراع بين أفكار كبرى أو مشاريع حضارية متنافسة. صار أقرب إلى معرض مفتوح، تُعلّق على جدرانه الخرائط (سنّستنان ـ علويستان ـ كردستان) بدل اللوحات، وتُثبت تحتها بطاقات الأسعار. هنا، لا يُسأل عن التاريخ، ولا يُستدعى الضمير، بل يُفتح الدفتر: ماذا نملك؟ كم يساوي؟ ومن يدفع أكثر؟

عندما يكون الدم تفصيلاً!

نحن في زمن بيع الأوطان للحفاظ على السلطة.. بهذا المعنى، تغيّر مفهوم الأمن جذريًّا. لم يعد حماية للحدود ولا صونًا للاستقرار، بل تحوّل إلى أمن اقتصادي خالص، عارٍ من الزخرفة الأخلاقية. أمن لا يعرف سقفًا، ولا يتوقف عند قيم أو مبادئ، لأنه ببساطة لا يعترف بها. إنه أمن السوق حين يرتدي بدلة السياسة بربطة عنق مزخرفة.

غزة، في هذا المنطق، ليست مأساة إنسانية ولا جرحًا مفتوحًا في الوعي العالمي. إنها قطعة أرض على البحر، موقعها مغرٍ، وشمسها سخية، ويمكنـ إذا أُزيل «الضجيج»ـ أن تتحول إلى مشروع سياحي مربح. الدم هنا تفصيل مزعج، يمكن تجاوزه بخطاب إعلامي مناسب أو صمت دولي مدروس.

سوريا، أيضًا في هذا المنطق، هي مأساة قومية وهي لا تُقرأ كدولة تقف على خط الزلازل الجيوسياسية في الأقليم، بل كمخزن غنيّ بالعناصر الشبيهة بقطع الفسيفساء التي تتقارب قطعها، ولكنها لا تتّحد. إضافة إلى كونها مخزنًا واسعًا لمصادر الطاقة والتكنولوجيا، تلك التي تُشغّل المصانع وتغذّي سباق التفوّق الصناعي..

الحرب الآن ليست دفاعًا عن سيادة، بل صراع غير معلن على من يضع يده على ما تحت أرضنا السورية، وحيث يسهّل النظام السوري الجديد التنازل عن سيادته لصالح الشركات الخارجية الكبرى التي ترى في سوريا موقعًا استراتيجيًّا يتحكّم بممرّات الطاقة، وأرضًا تختزن تحتها ثروات طبيعية.

ولهذا سوريا اليوم لا تُدار من غرف الدبلوماسية، بل من غرف الاجتماعات في الشركات الكبرى. الخرائط لم تعد تُرسم وفق ميزان القوى العسكرية فقط، بل وفق سلاسل الإمداد، والموانئ، والمناجم، وخطوط الطاقة. السيادة صارت كلمة جميلة تُستعمل عند الحاجة، كما الديموقراطية، ثم تُطوى عندما تبدأ المفاوضات الحقيقية.

وماذا عن لبنان.. والأردن والعراق؟

يبدو أن التاريخ ليس مجرد تسجيل للأحداث والحقائق كما هي؛ وكيف له أن يكون كذلك، ومن يكتبه هم المنتصرون بالقوّة!

بين التقدم والتقهقر

في المجتمعات المتقدمة، تُعرض الفلسفة إلى جوار الأدب، ويُناقش الفنّ كما تُناقش السياسة، ويُعامل التفكير كحقّ طبيعي، لا كخطر يجب محاصرته. لكن في مجتمعات القهر، تُغلق أبواب السوق، ويُصادر العقل كما تُصادر الكلمة. هناك يبدأ ما يمكن تسميته بـ«الخصاء العقلي»، حين يُمنع الإنسان من التفكير ويُربّى على الطاعة العمياء. فيتحول المجتمع شيئًا فشيئًا إلى كتلة من العادات والمسلّمات، لا تسأل، لا تشك، لا تحلم. يُختزل العالم إلى لونين: أبيض وأسود. لا منطقة رمادية، ولا احتمالات أخرى. كل ما هو مختلف يُدان، وكل من يجرؤ على السؤال يُعاقَب بتهمة الشك في المسلّمات، وفي هذا الواقع فهم الفيلسوف الاجتماعي الأميركي فرانز فانون هذه الظاهرة حين كتب عن المجتمعات التي خرجت من الاستعمار السياسي لكنها بقيت أسيرة الاستعمار النفسي، إذ رأى فانون أن المقهور إذا لم يتحرر داخليًّا من شعوره بالذل والعجز، فإنه سيعيد إنتاج جلّاده حين يمتلك السلطة. وهكذا يتحول الضحية إلى جلاد جديد، يمارس على الضعفاء ما مورس عليه، كأن القهر يتناسل من جيل إلى جيل، لا ينتهي إلا حين يولد الوعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *