شبح الحرب وان ابتعد لكنه

راهنت حكومة بنيامين نتنياهو على ان السيناريو الاقوى هو سيناريو الحرب بين الولايات المتحدة وايران، وعملت على صب الزيت على نار الحرب تحريضاً لواشنطن وتخويفا لطهران، فأعلنت عن استعداداتها للحرب بفتح الملاجئ واعلان حالة الطوارئ في المستشفيات وتشكيل فرق الطوارئ، كذلك بالغت الصحافة (الإسرائيلية) في الحديث عن خطورة الرحلة التي قام بها رئيس اركان الجيش ريال زفير الى واشنطن وما قاله عن خطط مشتركة للحرب وعن قدرة (اسرائيل) على توجيه ضربات مفاجئة للجمهورية الإسلامية وكان ذلك استعدادا منها للحرب النفسية واثارة للرعب والهلع في طهران، ولكن طهران استطاعت اعادة توجيه حالة الرعب والهلع وقذف كرة اللهب من جديد الى تل ابيب، عندما دفعت كل من بكين وموسكو للتحرك،  ثم الطلب من ثمانية دول عربية واقليمية ممارسة الضغوط على واشنطن حيث رات هذه الدول ان الحرب المحتملة ستلحق بها اضرارا جسيمة تفوق قدرتها على الاحتمال.  بهذا حققت إيران في مسارها هذا نقطتين الاولى بالشكل عندما فرضت نقل المفاوضات من تركيا الى دولة عمان والثانية بالمضمون عندما اصرت على ان يكون المطروح على مائدة التفاوض هو الملف النووي فقط لا غير.

كان وقع الاخبار محبط لنتنياهو وحكومته ومخالف لتقديراتهم، وزاد من الاحباط ان جاءت نتائج مفاوضات مسقط دافعة للانفراج وتسير باتجاه مضاد للمواجهة المباشرة، اذ جاءت تصريحات ترامب تفيد انه يعتبر جولة المفاوضات ايجابية جدا، فيما قال وزير الخارجية الايراني ان بلاده ترى امكانية التواصل الى اتفاق مطمئن من ناحية تخصيب اليورانيوم بنسب متفق عليها، امام هذه التطورات لم يكن امام نتنياهو الا ان يطلب لقاء عاجلاً مع الرئيس الامريكي هو حسب الاخبار العبرية لاطلاعه على معلومات مهمة تتعلق بإيران ومشاريعها او بكلام اخر انه يريد ان يحاول ضبط ايقاع التفاوض الايراني الامريكي ومحاولة دفع مسار الحرب من جديد ان استطاع.

جعبة نتنياهو ممتلئة بالملفات منها انه يريد ان تخضع البرامج النووية الإيرانية للرقابة الدائمة من قبل وكالة الطاقة الذرية ( (IAEA ويريد من الوكالة الذرية البحث عن اليورانيوم المخبأ والمخصب بنسب عالية واخراجه من ايران، ويريد اخضاع البرامج الصاروخية العابرة  للحدود  للرقابة وان لا تنتج ايران صواريخ مداها يتجاوز 300 كلم، كذلك يريد ضبط الصناعات العسكرية الإيرانية وجعل التكنولوجيا المتعلقة بها معروفة ومكشوفة وهذا ما لم يطرح في جلسة المفاوضات في مسقط وهو ما لا تقبله ايران ولا باي شكل من الاشكال حسب ما اكد لاريجاني. ان أي اتفاق لن يكون بلا ثمن او على حساب ايران و كرامتها و قراراتها السيادية، و اذا كان الملف الايراني هو الملف الرئيس في جعبة نتنياهو، فان الجعبة تزدحم فيها الملفات، منها ملف تقاسم الغنيمة السورية مع تركية، و منها الدور المطلوب من احمد الشرع الجولاني لتنفيذ مهام وظيفية في العراق و لبنان، و منها العربدة في لبنان و محاولات شطب مقاومتها بدءاً من نزع سلاحها، و منها محاولة الحصول على مكاسب اكبر في غزة من خلال مجلس السلام الذي استهل نتنياهو زيارته لواشنطن بالتوقيع على عضوية المجلس، ولكن نتنياهو ان لم يستطع وهو على الاغلب لن يتمكن من  فرض كامل مطالبه، فالولايات المتحدة تتصرف كقوة عظمى لها مصالحها البعيدة عن العواطف الزائفة والضغط الذي قد تمارسه اللوبيات اليهودية وجماعات الضغط، خاصة في عهد ترامب و أسلوبه الفظ، لذلك تزامنت رحلة نتنياهو مع قرارات خطيرة اتخذها المجلس الوزاري الامني المصغر (الكابينت) اتجاه احكام السيطرة على الضفة الغربية واراضيها واثارها مما يجعل من الضم حقيقة قائمة وان كانت غير معلنة بشكل رسمي ويعمل نتنياهو ان يكون الرضا الامريكي او عدم الاعتراض الامريكي على الاقل هو جائزة الترضية امام فشله في فرض اجندته على الملفات الإيرانية الأمريكية.

اول أمس الاربعاء دام الاجتماع بين ترامب ونتنياهو لثلاثة ساعات، وخرجت الاخبار بتغريدات لترامب اعاد التأكيد فيها ان المحادثات مع ايران كانت جيدة جدا وأنها الخيار الاول والمفضل لإدارته، فلم يكن الرئيس ذو الشخصية المتورمة والمنتفخة ليسمح لنتنياهو ان يبدو وكأنه يعطيه التعليمات ويفرض عليه سياساته لا بالشكل ولا بالمضمون، اذ أكد انه لم يتم التوصل الى اتفاق نهائي مع نتنياهو، الذي طالب ان يكون أي اتفاق مع إيران غير محدد زمنيا.

لا يعني ذلك ان شبح الحرب قد غادر المشهد نهائيا، ولكن على الاقل في المنظور ان الادارة الامريكية اصبحت ترى انه الخيار الاخير، ولكن نتنياهو سيحاول الحصول على ترضيات في أكثر من ملف ولعل اولها واخطرها في الضفة الغربية المرشحة الى تصعيد كبير في القريب ان بسبب الرغبة الاسرائيلية بافتراسها وان بسبب عدم المعارضة الامريكية وان بسبب غياب أي تصور مقاوم فلسطينيا واقليميا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *