ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة زراعية، بل محاكمة شاملة للوجود الحضاري والاقتصادي لسورية الطبيعية. القمح لم يعد مجرد غذاء، بل أصبح رمزًا للسيادة والحرية، ومرآة للعلاقة بين الإنسان والأرض. استهداف القمح يعني استهداف القدرة على الاكتفاء الذاتي، ومحو القدرة على المقاومة، وتحويل الأراضي الزراعية إلى أدوات تابعة للنظام العالمي.
القضاء على البذور البلدية يُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وأرضه، ويحوّلها من حقوق طبيعية إلى امتيازات يفرضها بنك مركزي للبذور، يتحكم فيما يُزرع، وكيف يُزرع، ومتى يُزرع.
الزراعة لم تعد مجرد عمل، بل معركة وجودية. فقدان السيطرة على ما يُزرع يعني فقدان السيطرة على مصير الشعوب. كل بذرة محمية تمثل مقاومة، وكل بذرة مدمرة تمثل استسلامًا للهيمنة الاقتصادية والسياسية.
سهل حوران: الأرض التي أُدرجت على لائحة الخطر لأنها تُطعم نفسها
سهل حوران ليس مجرد سهل زراعي؛ هو معقل للأمن الغذائي السوري عبر التاريخ. هذا السهل كان وما زال يشكل عمقًا زراعيًا استراتيجيًا، حيث تنتج التربة خصوبة استثنائية للبذور الأصيلة، وتدعم دورة زراعية مستدامة منذ آلاف السنين. ما يحدث اليوم من رش مواد كيميائية غريبة يهدف إلى القضاء على النباتات والبذور الأصيلة، وإلغاء التنوع الزراعي، وتحويل الأرض إلى مجرد مكان لإنتاج محاصيل محددة يسيطر عليها بنك البذور.
التحكم في هذا السهل يعني تحكمًا بالقدرة على الاكتفاء الغذائي لسورية الطبيعية كلها، فالخطر ليس عسكريًا بقدر ما هو اقتصادي واستراتيجي.
رشّ السماء لإخضاع التربة: من الحرب العسكرية إلى حرب السيادة الحيوية
الطائرات الزراعية الإسرائيلية لا تقوم برش مبيدات عادية، بل مواد تحدد مستقبل الزراعة في المنطقة. هذه حرب السيادة الحيوية، حيث تصبح القدرة على زراعة الأرض فعلًا سياسيًا وجوديًا، والفلاح يتحول إلى أداة في لعبة أكبر من حدود الدولة.
الأرض تتحول إلى ساحة اختبار للتكنولوجيا الزراعية الاستعمارية، حيث يتم استبعاد الأنواع الأصيلة تدريجيًا، وإجبار المزارعين على زراعة محاصيل مستوردة قصيرة العمر تتحكم فيها الشركات الكبرى.
العراق: القمح الذي هُزم ليُفرض نمط أكل لا يشبه أهله
بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، استُهدفت بذور القمح الأصيلة، وأُجبر الفلاحون على زراعة أنواع معدلة لا تناسب الثقافة الغذائية للشعب العراقي، مثل المعكرونة الصناعية. هذه السياسات حولت الزراعة من إنتاج غذاء فعلي إلى صناعة منتجات محددة لخدمة السوق العالمي، وفقد العراقيون استقلالهم الغذائي.
نتج عن هذا التغيير أن الفلاح أصبح منتجًا لنظام اقتصادي لا يراعي الاحتياجات المحلية، بل يفرض أنماط أكل لا تتوافق مع عادات المجتمع، وهو مثال واضح على استهداف سيادة الشعوب الغذائية.
من فلاح إلى عامل في السوق: كيف تُصادَر السيادة باسم “التطوير”
الفلاح العراقي أصبح مجرد عنصر في سلسلة تصنيع، لم يعد يملك حق تقرير ما يزرع أو متى يحصده. باسم “التطوير” تم مصادرة سيادته الغذائية، وأصبح عمله يخدم اقتصادًا عالميًا لا يراعي احتياجات مجتمعه.
قمح الجنوب السوري: بذور تتحدى الزمن… لذلك يجب كسرها
القمح في الجنوب السوري يمتاز بقدرة استثنائية على البقاء لأكثر من خمسين عامًا، وهو تعبير حي عن الصمود البيئي والثقافي. استهداف هذه البذور يعني محو القدرة الطبيعية للأرض على الاستمرار، وإضعاف استقلالية الفلاحين محو هذه البذور يعني محو هوية المجتمع الزراعي بالكامل.
بنوك البذور:
ما يفرضه بنك البذور الحديث من بذور قصيرة العمر يحرم الفلاح من إعادة الزراعة من محصوله، ويخلق دورة دائمة من الاعتماد على البذور المستوردة. هذا النظام يشبه الاشتراك السنوي للحياة، حيث يتحول الغذاء إلى أداة تحكم وليس حقًا طبيعيًا.
بنوك البذور تمثل شكلًا من أشكال الاستعمار المؤجل، حيث يتم السيطرة على حياة الشعوب من خلال الغذاء، وليس القوة العسكرية المباشرة.
الأردن: لماذا يُهرّب الفلاح بذوره كما لو كانت جريمة؟
المزارعون الأردنيون الذين حفظوا بذورهم سرًا وأعادوا إنتاجها لأجيال يواجهون قوانين صارمة تمنعهم من الحفاظ على تنوعهم الزراعي. هذا يفضح التواطؤ الحكومي والسياسات التي تُفضي إلى تحكم الشركات الكبرى والسيطرة الخارجية على الغذاء.
لبنان: حين يصبح الاستيراد قدرًا لا خيارًا
لبنان، نتيجة انهياره الاقتصادي واعتماده شبه الكامل على الاستيراد، معرض لخطر فقدان أي استقلال غذائي. أي تشريع يقيّد البذور المحلية سيؤدي إلى تحويل الزراعة إلى استهلاك كامل للمنتجات المستوردة، مع فقدان القدرة على مواجهة الأزمات.
المعادلة القاتلة: فلاح بلا بذور = وطن بلا قرار
هذه المعادلة حتمية: فلاح بلا بذور = مجتمع بلا قرار. أرض بلا ذاكرة = وطن بلا مستقبل. غذاء تحت السيطرة يعني سياسة محدودة. هذه ليست توقعات، بل نتيجة حتمية لمسار الاستهداف المستمر.
فلسطين: المختبر الأول لحرب الغذاء في سورية الطبيعية
فلسطين، جنوب سورية الطبيعية، هي النموذج الأساسي والأصلي لما يجري في الشام، العراق، الأردن ولبنان. استهداف البذور والفلاح هناك منذ عقود كان الأساس الذي نُسخت عنه السياسات الحالية.
الفلاح الفلسطيني يُحاصر لأنه يستطيع أن يزرع بحرية، وليس فقط لأنه يزرع. السيطرة على البذرة قبل الإنسان تعني السيطرة على القدرة على المقاومة والاستقلال الغذائي.
بنك بذور العدو “الإسرائيلي”: استعمار مؤجل داخل التربة
البذور الفلسطينية تُسجّل باسم مؤسسات” إسرائيلية،” لتحويلها إلى ملكية للمحتل، مما يمحو الهوية الزراعية ويحول استقلالية الغذاء إلى امتياز للمحتل.
وسرقة الهوية الزراعية هي حين يُسجَّل القمح الفلسطيني باسم المحتل فتصبح القصة
ليس مجرد سرقة محصول، بل محو تاريخ الأرض وربطه بالمحتل.
السيطرة الصامتة التي تقتل الزراعة، الماء قبل الغذاء
السيطرة على المياه، من آبار وينابيع وطبقات جوفية، تسبق السيطرة على الغذاء. الفلاح لا يقرر ماذا يزرع، بل ماذا يُسمح له أن يسقي، وهذا يقتل الزراعة بهدوء ويعطل الاستقلال الغذائي.
من فلسطين إلى حوران
ما يحدث في فلسطين يُطبق بشكل مختلف لكنه متماثل في بقية سورية الطبيعية: تدمير البذور الأصيلة، منع إعادة الزراعة، وإجبار الفلاح على التبعية.
الفرق بين فلسطين والدول الأخرى هو الطريقة: فلسطين بالقوة العسكرية المباشرة، أما الشام والعراق والأردن ولبنان، فبالقوانين والاتفاقيات والتمويل واسم “التنظيم”.
ويمكن الملاحظة انه في أوروبا، مئات الفلاحين انتحروا بسبب احتكار الشركات الكبرى للبذور، واضطرارهم لزراعة أنواع معدلة لا تناسب أرضهم، وهو دليل على أن النظام العالمي يستهدف السيطرة على الغذاء والتحكم بالمزارعين.
فلسطين ليست فقط احتلال أرض، بل احتلال بذرة. ومن لا يفهم ما يجري زراعيًا لن يفهم لماذا يُستهدف سهل حوران، ولماذا أُبيد قمح العراق، ولماذا تُجرّم البذور في الأردن، ولماذا يُدفع لبنان للاستيراد الكامل. العدو واحد، الأداة واحدة، والنتيجة واحدة: شعوب بلا غذاء مستقل = شعوب بلا قرار. الأمة مدعوة للدفاع عن بذورها وحقها في البقاء.

