حرب الوجود تُشنّ على الأمة السورية

في ظلّ التحولات المتسارعة التي يشهدها الإقليم، ومع استمرار الحروب والحصارات وإعادة رسم خرائط النفوذ، يعود السؤال الجوهري ليطرح نفسه بإلحاح: ما الذي اقترفه الشعب السوري حتى يُوضَع في قلب هذا الإعصار السياسي والعسكري والاقتصادي؟ هل نحن أمام صراع مصالح عابر، أم أمام مسار ممنهج يستهدف الوجود والهوية والدور الحضاري؟

ما هي تهمة الشعب السوري؟ هل حبّه للحياة كبقية شعوب الأرض، في أمان وسلام وبحبوحة اقتصادية، خطيئة؟ وهل مقاومته للاحتلال وتمسّكه بالحرية والسيادة على نفسه وأرضه جريمة؟ هل رفضه أن تتدخل الدول الأخرى في أموره الداخلية خروجًا عن القيم الإنسانية الراقية؟ هل العمل لتقوية الروابط الوحدوية بين أبنائه مساسًا بقوانين الدولة؟ وهل أن تكون لنا هوية سورية واحدة، وهيئة اجتماعية واحدة، تهديدًا للسلام العالمي؟ وهل حفظ خيراتنا وموارد أرضنا عمل يُصنَّف تحت بند الإرهاب؟

إذا كانت هذه المبادئ تُقرّها كل الأمم وتتمرس بها كل شعوب الأرض، فما الذنب الذي ارتكبه شعبنا حتى جرّت عليه الدول المدّعية السلام والديمقراطية هذه الحروب المحرقة؟

ولكي تتضح الصورة، لا بد من استعراض ما جرى ويجري في بلادنا ومحيطنا. الفلسطينيون السوريون مواطنون آمنون يحيون على أرضهم، ما اعتدوا على أراضي غيرهم، ولا بادروا إلى الهجوم على بلاد غير بلادهم، ولا هم طامعون بثروات غيرهم. ومع ذلك، جُلبت الهجرة اليهودية إلى فلسطين بدعم العالم الاستعماري، وسُخّرت الإمكانات لتمكينها، بينما يُوسَم الفلسطيني بالإرهاب إن دافع عن نفسه وردّ الموت المحقق عنه. فدُمّرت البيوت، وحرقت المزروعات، وسُفكت دماء الأطفال والنساء والشباب والشيوخ، وصار الموت أو السجن أو التشريد معنى واحدًا لحياته، وتُفرض عليه العقوبات ويُطارَد ويُقتل في كثير من البلدان.

ولِمَ يُمنع من أن يكون مواطنًا حرًا؟ سواء أراد أن يبني دولة تلبي حاجات شعبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أو أن يؤسس، بمشاركة فاعلة، لدولة سورية كما يقتضي الواقع الطبيعي والاجتماعي؟

وفي لبنان، المواطنون السوريون لا يستعدون لغزو دولة أخرى، ولا اعتدوا على أي شعب، لكن العالم الاستعماري منعهم من الاتحاد مع شعبهم، وعاب عليهم مناصرتهم لأهلهم في فلسطين، فاجتمع وساعد العدو اليهودي في ضرب لبنان بأبشع الأسلحة المحرمة دوليًا، واحتل أجزاء منه وفرض عليه حصارًا اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا.

وفي الشام، لم يعتدِ السوريون على تركيا ولا على غيرها، لكن من حقهم أن يستعدوا لدرء المخاطر التي يشكلها العدو اليهودي على حقهم في فلسطين ولبنان والشام، وعلى أي كيان من كيانات أمتهم السورية، ومن حقهم أن يتحدوا لأجل تحرير فلسطين والدفاع عنها.

الحقيقة أن العالم الاستعماري لم يترك الشام تسلك مسار التطور والتقدم، بل زرع فيها بذور الفتنة كما فعل في لبنان، وأشعل الاضطرابات والاقتتال تمهيدًا لاحتلال أجزاء استراتيجية وغنية، وقد فعل. وفي العراق، لم يُظهر الشعب نوايا عدوانية تجاه أحد، ومع ذلك احتُلّ البلد، وتُقصف أماكنه الحيوية. والأردن لم يسلم من تداعيات النظرة ذاتها، فأصابه ما أصاب بقية أمته.

يبقى السؤال قائمًا: ماذا فعل الشعب السوري؟ وما الذنب الذي ارتكبه حتى يُحاصَر وتُقسَّم بلاده وتُنهَب خيراته وتُزرَع في أرضه قوى معادية؟ لماذا تُشدَّد عليه العقوبات في كل المجالات السياسية والاقتصادية والتعليمية والتكنولوجية والعسكرية، حتى تُسدّ مقومات الحياة؟

هذه السردية ليست للتوصيف العاطفي، بل لإزالة غشاء الضلال عمّن اختاروه أو فُرض عليهم. فالشعب السوري مظلوم في زرع العدو اليهودي في أرضه، مظلوم في احتلال أجزاء من وطنه، مظلوم في تقسيم كيانه، ومظلوم في الفتن التي دُسّت بين أبنائه.

ورغم كل ذلك، لم يقدّم هذا الشعب عبر تاريخه إلا الأسس الحضارية والقيم الإنسانية الراقية، منذ ما قبل حمورابي إلى القومية الاجتماعية، مرورًا بالرواقية والأديان والمذاهب الفكرية والأنبياء والمصلحين.

إذن صار مفهومًا أننا أمام حرب إنهاء لوجودنا، وأن منظومات الهيمنة المعاصرة، مهما تجمّلت بشعاراتها، قائمة على الاحتلال والتمدد والهيمنة والقتل والتشريد واقتلاع الشعوب من أرضها وسرقة خيراتها.

فما الذي تغيّر في القرن الواحد والعشرين؟ عن نمط الجاهلية البدوية المتوحشة، لم يتغير شيء، فقط تبدّلت الأدوات وبقي الجوهر، وها هي الولايات المتحدة الأمريكانية وربيبتها “إسرائيل” تمارسان دور القبيلة المقتدرة، لكن بأحدث تقنيات العصر.

الأكثر إيلامًا أن يؤيد بعض القيادات السياسية وبعض الأحزاب وبعض من يدّعون النخبوية الإعلامية والثقافية هذا المسار. من هنا، يصبح الوعي ضرورة وجودية، ويغدو الاتحاد صفًا واحدًا واجبًا لمواجهة التهديدات المصيرية، وكشف ألاعيب السياسيين التابعين للأجنبي، واستبدال نهج التفريط بقيادات ثورية مقاومة تحفظ الحقوق القومية، وترفض تشريع التنازل عن حق الحياة والحرية والسيادة، وترفض اعتبار العدو أمرًا واقعًا يُتعامل معه.

إنها لحظة وعي تاريخية: إما تثبيت الوجود القومي بالاتحاد والتمسك بالحقوق، وإما الانزلاق في مسار التفكك والتمسك بالهويات الجزئية وفقدان الوجدان القومي الذي لا يخدم إلا مشاريع الهيمنة الأمريكانية والاحتلال اليهودي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *