الصين في مواجهة أميركا والغرب قوة اقتصادية صاعدة رغم الضغوط

منذ بداية الألفية الثالثة حققت الصين العديد من الخطوات الجادة على الصعيد الاقتصادي بحيث باتت القوى الاقتصادية الدولية تحفظ لها مكانة لا يستهان بها.

هي دولة لها من المقومات الجغرافية والسكانية والموارد الزراعية والصناعية التي يحسب لها حساب إلى حد يُطلق عليها «المارد الصيني»، لكن بالمقابل ثمة مشاكل تعترض اقتصادها.

 الصين التي تمتد في شرق آسيا فوق مساحة تتعدى 9.6 مليون كلم مربع، تعدّ من بين القوى الاقتصادية الصاعدة. هناك مظاهر قوة في اقتصادها، ونقاط ضعف.
عناصر القوة لدى الصين متعددة، منها: عدد السكان الكبير (مليار و410 ملايين نسمة)، والذي تمت إدارته بشكل جيد على مدار العقود الماضية، ليكون قوة ضاربة على صعيد الإنتاج العالمي. وتسجل معدلات عالية في مجال التعليم والبحث العلمي، حيث تنفق الصين نسبة 2.34% من ناتجها المحلي على البحث والتطوير حسب بيانات عام2021.

ومن نقاط القوة أيضاً أن عدد العاملين في البحث والتطوير يبلغ 1687 فرداً لكل مليون، وهذا مكّنها من البقاء على قمة الدول المصدرة والمنتجة للسلع ذات التكنولوجيا المتقدمة على مستوى العالم. من جهة أخرى أصبحت عملتها واحدة من عملات الاحتياطيات الدولية الرئيسة، كما أصبحت تمثل جزءاً من منظومة التسويات المالية العالمية، وإن كانت بنسبة قليلة.

اللافت أن النموذج الصيني اتسم بالاستقلالية في كثير من مسيرته التنموية. والمثال البارز في هذا الأمر، أن الحكومة الصينية لم تستجب للضغوط الأميركية والغربية منذ مطلع الألفية الثالثة، لرفع قيمة عملتها أمام العملات الأخرى، واعتبرت الصين هذه القضية تتعلق بسيادتها في صنع سياستها النقدية، لما يرتبط بذلك من قدرات أفضل في مجال الصادرات. ويمكن اعتبار سعي الصين لتطوير دور تكتل «البريكس « جبهة لمواجهة أميركا والغرب، حيث تعمل الصين على تنفيذ مجموعة من السياسات النقدية والمالية والتجارية، تمكّنها فيما بعد من تقديم بديل لسيطرة الغرب، ومثال على ذلك اعتماد العملات المحلية في التجارة البينية لبعض دول البريكس، وكذلك استخدام اليوان كعملة بديلة للدولار في تسوية بعض المعاملات المالية.

وبخصوص الاستثمارات الخارجية، أضحى الصندوق السيادي للصين، مصدر تخوف أميركي وغربي منذ مطلع الألفية الثالثة، حيث اتُهم الصندوق بتسييس استثماراته الخارجية.

وخطت الصين خطوات أكبر عبر مشروعها العملاق طريق الحرير، لدعم مشروعات البنية الأساسية في دول الجوار والدول النامية الأخرى، من خلال تقديم التمويل اللازم لهذه المشروعات عبر آلية القروض.

أما بشأن عناصر الضعف في الاقتصاد الصيني فهي عديدة حسب التقارير الصحفية، أولها تكتل أميركا والغرب في فرض حظر نقل التكنولوجيا للصين، ومنع استيراد مكونات رئيسة من شبكات نظم المعلومات من هناك، وثانيها حالة الغموض فيما يتعلق بشفافية البيانات الاقتصادية للصين، سواء بشأن أداء الشركات المحلية، أو مديوناتها. ومن عناصر الضعف أيضاً، اعتماد وسائل وأدوات الرأسمالية في إدارة شأنه الاقتصادي، وخاصة الشؤون الداخلية، وعلى رأس هذه الأدوات، اعتماد آلية الديون لتمويل النشاط الاقتصادي، وجعل الديون مجالاً للتجارة عبر البنوك والبورصات.

فالسوق الأميركي بالنسبة للصين، ليس مجرد رقم للصادرات، بل يعني فرص عمل واستثمارات محلية كبيرة، وفرصة لا بديل لها على الخريطة العالمية. وقد قابلت الصين معظم القرارات التي اتخذتها إدارة ترامب (2018-2021) بقرارات مماثلة. كما أن القرارات التي اتخذتها إدارة الرئيس جو بايدن من الحظر التكنولوجي ومحاولة عزل الصين عن التكنولوجيا الحديثة، واجهتها بكين بمزيد من البحث العلمي، وإمكانية التعاون مع دول أخرى، والمزيد من البعثات العلمية للطلاب الصينيين في أميركا والغرب.

حين نتكلم عن الصين لا بد من المقارنة بين اقتصادها واقتصاد الولايات المتحدة الأميركية في ظل الحرب الدائرة بينهما على المستوى الاقتصادي. هنا الأرقام تتكلم. في عام 2000 كان الناتج المحلي الإجمالي للصين، بحدود  1.2تريليون دولار، بينما كان الناتج المحلي لأميركا في السنة ذاتها بحدود 10.25 تريليونات دولار. وفي عام 2023، كان الناتج المحلي للصين بحدود 17.8 تريليون دولار، والولايات المتحدة عند 27.36تريليون دولار.

ومنذ بداية الألفية الثالثة والناتج المحلي الإجمالي للصين في صعود دائماً من حيث القيمة، باستثناء عام 2023، الذي تراجع فيه بشكل طفيف جداً، رغم الأزمات التي مرّ بها الاقتصاد العالمي، ورغم أزمة كورونا التي كانت الصين منبعاً لها.

وعلى مستوى الصادرات السلعية، تأتي الصين في مقدمة دول العالم بقيمة صادرات قدرت بـ 3.38 تريليونات دولار عام 2023، وبحصة 14.1% من إجمالي الصادرات السلعية على مستوى العالم، والتي بلغت  23.9تريليون دولار .وتتقدم الصين على الولايات المتحدة وفق هذا المؤشر، حيث بلغت الصادرات السلعية لهذه الأخيرة ما يزيد بقليل على تريليونَي دولار في السنة ذاتها.

في مجال صادرات التكنولوجيا المتقدمة، تتقدم الصين دول العالم أيضاً، حيث حققت 769 مليار دولار، وبحصة 22.6% من السوق العالمية التي تبلغ 3.4 تريليونات دولار، في مقابل 166 مليار دولار للولايات المتحدة.

ورغم أن فجوة قيمة الناتج المحلي الإجمالي بين أميركا والصين توسعت على مدار الفترة ما بين 2019 و2023من 7 تريليونات دولار في 2019 إلى 10 تريليونات دولار، لصالح الولايات المتحدة في 2023 وفق أرقام قاعدة بيانات البنك الدولي، فإن الصعود الصيني، اعتبرته أميركا والغرب تحدياً يجب أن يتوقف. وهذا الوضع دفعهما لفرض قيود صارمة لنقل التكنولوجيا إلى الصين، ومثلها على حركة التجارة، في حين تواجه الصين مشكلات داخلية تتمثل في المديونية المحلية. ورغم القيود الأميركية والغربية، لا تزال الصين تمثل الشريك التجاري الأول لهما، وهو ما يعني أن البحث عن بديل للصين في مجال التجارة الخارجية، لا يزال غير متوفر، رغم جهود واشنطن لدعم بعض دول جنوب شرق آسيا أو الهند أو تركيا، لتكون بديلاً عن بكين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *