طرابلس …. المنكوبة

إذا قرّرت ان تقوم ببحثٍ عن مدينة طرابلس على الإنترنت ستُطالعكَ عبارةٌ تتكرّر لأكثر من مرّة «الوجه العمرانيّ المميّز لمدينة طرابلس».

هذا الوجه العمرانيّ التاريخيّ تعرّض خلال عقودٍ من الزمن لتشوهٍ فادحٍ تعدّدت أسبابه من اجتماعية وسياسية وغيرها. ناهيكَ عن ساسة تهميشٍ وإهمال انتهجتها الحكومات المتلاحقة خلال سنوات.

إلاّ أنّ الفاجعة الكبرى حلّت مؤخراً عندما تعرّضت مبانٍ عدّة في أحياءٍ متفرّقة من المدينة للانهيار، مخلّفةً بذلك عدداً لا يُستهان به من الضحايا.

هذه الفاجعة يعود مردّها لعوامل عدّة لعلّ أبرزها التمدّد العشوائيّ للأحياء والمباني دون تخطيطٍ عمرانيّ مدروس، وذلك نتيجة حركة النزوح الكبيرة التي شهدتها طرابلس من الأرياف المجاورة. ومع ارتفاع الكثافة السكانيّة ظهرت الأحياء المتزاحمة والمخالفات الإنشائيّة والأبنية المتهالكة وغير الآمنة.

أحد أبرز الأسباب أيضاً عمليات الغشّ في استخدام مواد البناء، حيث يتمّ التقليل من كميّات الحديد والخرسانة مع غياب الرقابة والمحاسبة. كل ذلك لصالح المنافع الشخصيّة على حساب أرواح المواطنين.

عاملٌ آخر يُضاف إلى ما سبق وهو غياب الدقّة في المسح الميداني للمباني المتصدّعة والمهدّدة بالانهيار. والدليل على ذلك أن آخر المباني التي انهارت لم يكن مدرجاً على قائمة المباني الآيلة للسّقوط. والتي شملت 114 مبنًى بحسب المسح الميداني.

أمّا عن الحلول المقترحة فمنها ما هو قريب المدى كإيجاد مأوى للمتضرّرين والمواطنين الذين اضطروا لإخلاء منازلهم، علما ان الحكومة اتخذت قرارات عاجلة بهذا الامر من خلال تحديد بعض المدارس وكذلك صرف بدل إيواء

إضافة إلى ضرورة إجراء مسح ميداني دقيق بمساعدة مهندسين مختصّين وجهات ومؤسسات رسمية مثل الجيش اللبناني وشركات متعاونة، لإنجاز ذلك بالسرعة القصوى، لتحديد المباني المتصدّعة والمهدّدة بالانهيار.

أما على المدى البعيد فلا بدّ من تخطيطٍ مدنيّ وعمرانيّ يمنع المخالفات الإنشائية. مع مراقبة شفافة لعمليات البناء. وإشرافٍ هندسيّ على كافة مراحل التنفيذ.

خلاصة الامر إن هذه الفاجعة ليس قدر الطرابلسيّين ولا يمكن أن تكون، بل لعلّ ذلك يستدعي دعوةٌ للمساءلة والمحاسبة، سيما وأنّنا على مشارف استحقاقٍ الانتخابات النيابيّة الذي يشكل فرصةٍ تُتيح لهم تحديد خيارات تُعيد لمدينتهم وجهها المشرق الذي دأب سياسيّوها على طمسه. والذي تجلّى واضحاً في تعاضد وتكاتف المجتمع المدني فيها أفراداً ومؤسسات على اختلاف مشاربهم. ليس فقط لأن المصيبة تجمع، بل لأنّ الوجدان الحيّ لأبناء شعبنا هو الواقع الذي لا بدّ سينتصر.

ريما الباشا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *