لا يزال التفكير بالكهرباء في بلداننا السورية، يخضع لبدائية تفكيرية، تختصرها كسلعة تكنولوجياتية، يتم استيرادها وتوزيعها على الناس، كمؤشر إنجازي على مغادرة زمن الحطب والجلة ومواد الاحتراق المتوفرة في الطبيعة، وهذا أمر لا يتعاكس تماماً مع وجودنا في العصر، إن كان من الناحية الاجتماعية، أو من ناحية نوعية إدارة هذا الاجتماع، وهذا أمر تترابط فيه عوامل الوجود نفسه، لدرجة يمكننا فيها قراءة هذه العوامل، كمعايير تحضرية، تظهر الفارق بين البلدان المكهربة، والبلدان غير المكهربة، حتى لو كانت تعرف الكهرباء، فالكهرباء ليست سلعة لسد الحاجة فقط، ولعل الاستهلاك المنزلي (على أهميته) لا يشكل الفقرة الأساسية في صياغة حضور الدولة المكهربة في التحديات المعاصرة، وهي تحديات تحضرية واضحة للعيان، لا ينتطح فيها عنزان، ولعل السلطة، إن كانت دولة أو أدنى من ذلك، هي المستفيد الأكبر من تطبيقات استخدام الكهرباء، في الوسط الاجتماعي التي تديره، وحصر استخدام الكهربا في زبون واحد، هو المستفيد من الإنارة والتدفئة، يعبر عن قصر في الرؤية إلى الكهرباء كعامل اجتماعي، ينقل البلدان إلى مراحل تحضرية أعلى، وهذا ما أوقفته السلطات الاستبدادية في هذه البلدان، للحفاظ على الاستقرار، أي عدم التغيير، حتى في أكثر اللحظات إلحاحاً على ضرورة التغيير، وعليه تم منع «التكهرب» على بلدان مثل «لبنان والشام والعراق»، فالمسألة هنا أصبحت على تماس مع المعرفة وخدماتها، خصوصاً بعد انفتاح وسائل الاتصال الحديثة، ناهيك عن التطبيقات الحكومية المستفيدة من كهربتها، فأي مطار، أو إعلام، أو قاعة محكمة، إلخ، لا تحتاج إلى كهرباء مستمرة وثابتة؟ وهي استثمار من استثمارات الدولة في الإدارة، ناهيك عن المصانع الكبيرة، والمشاريع الصغيرة، وحتى البيئة وتلوثها، هي أجزاء من العقلية الدولتية التي تدير البلاد، ولعل إحتكار تصنيع الكهربا للدولة هو ضمانة مساواتية بين الناس، والمساواة أساس من أسس ممارسة الدولة في أرض الواقع، وهذا ما يعني استثماراً عمومياً، وليس مجرد استهلاكاً أهلياً، على الفقير تخفيض استهلاكه حسب قدرته على شراء الطاقة، بل على الدولة تشجيع استخدام الأدوات التي تعتمد الكهرباء، لإن في ذلك فوائد عمومية، فالمسألة هنا ليست دعم من قبل الدولة (الدولة هي قائم مقام عن الشعب)، فواجبها إنتاج الكهرباء وتوزيعها، لإنها استثمار عمومي واستراتيجي، فهل يمكن إقامة مختبرات (مثلاً) دون كهرباء؟، وعدم وجود الكهرباء الكافية ألا يعطل إمكانيات البلاد على الإبداع والإنتاج؟، وحتى في حالات التوليد الفردي للكهرباء، ألا يضع الدولة أمام مسؤوليات البيئة والصحة والغلاء؟ هكذا تفكر الدول، وليس السلطات التي تبحث عن ممول خارجي يبيع الكهرباء لأهل البلد ويتربح منها، في تطبيق مرير للمثل الشعبي ( يلّي ما معو… ما بيعوزو)، وفي هذا خلط كبير بين الدولة وغيرها من أشكال الإدارة، حيث تظهر الكهرباء كعامل مؤسس، وليس مجرد سلعة نتاجر بها.
على أحد أن يصدق أن بلد كالعراق يطفو على بحر من البترول، ليس فيه كهرباء؟! وهل أحد يصدق أن كل تجارب الطاقة الهوائية الناجحة (أسألوا الصين مثالاً منسوبة لعدد السكان وأحوال الطقس)؟، لم تدخل بلدان سوريا ودولها ولو على سبيل التجريب (لا الدعاية السياسية)، هل جربت هذه الدول الطاقة الشمسية في البوادي المترامية؟ بالطبع لا، فالكهرباء لم تتجاوز في عقلنا المعيشي الاستهلاك المعيشي في الإنارة والتدفئة، بينما هي كما أسلفنا، عامل أساسي في تأسيس (دولة ) تدير التنمية، هذا على سبيل الفرض، ولكن ماذا على صعيد الرهان؟.
الكهرباء ليست حطباً أو جلة معاصرة، فالعصر قد تجاوز هذا التعريف منتقلاً إلى النظر إليها كوسيلة تنموية تأسيسية وأساسية، والتنمية هي من مهمات الدولة، أفعالاً وتشجيعاً، وأحد أهم مؤشرات فقدان مهمتها هذه، هو السماح بوجود أزمة كهرباء، ولو بسيطة، ففقدان الكهرباء يولد خسائر كمتوالية حسابية، وليس من مهمات الدولة عدم العلم وعدم التقدير، وعدم التخطيط، لهكذا أخطار استراتيجية، إلا إذا كانت تقصد ذلك، وفي هذه الحالة تكشف عن نفسها، وليس لها إعلام كافٍ كي يبرر لها خطاياها، لإنه لا توجد كهرباء تشغل الآلة الإعلامية للسلطة، ولا كهرباء عن الناس كي يشغلوا أدوات التلقي،( ربما كان هذا المثال هزلياً بعض الشيء) ولكن الواقع يقول هذا بكافة تفاصيله اليومية المعاشة. ليست الكهرباء وحدها، بل كل اختراع علمي مفيد، يجب أن يكون جزء من الأداء المعرفي لأية دولة تنوي البقاء، فالمسألة هنا هي تفعيل إمكانيات الناس في الإنتاج، وليست مجرد استبدال فيش الكهرباء بالحطب، فلكل نوع عقلية تحضرية مختلفة.

