سعادة في مواجهة الخيانة الأسباب الجوهرية للخيانة كما يراها سعاده ـ الحلقة الرابعة عشرة (14)

يقدم سعاده تحليلاً متكاملاً لأسباب الخيانة، لا كحالات فردية بل كظواهر تنشأ من اختلالات بنيوية في الواقع الاجتماعي والسياسي، تتفاعل مع الانحرافات الفردية في الفكر والخلق. وفيما يلي أبرز هذه الأسباب:

أولاً: البيئة الخصبة ـ واقع الأمة الممزقة والوجدان القومي المنعدم

يرى سعاده أن الخيانة لا تنبت في فراغ، بل هي نتاج طبيعي لواقع مرضي طويل الأمد، تجذّر في بنية المجتمع المضعضع. ففي خطابه في 1 آذار 1938، يشخّص هذا الواقع المأزوم، ويحلّل كيف أدّت عوامل التجزئة الطويلة وانحطاط المناقب وغياب الهوية القومية إلى «ضعف الوجدان القومي»، فيما حال «خلو المجتمع من المؤسسات القومية الصالحة» دون تنمية هذا الوجدان، مما أفقد المجتمع مناعته ضد ثقافة التجزئة والخيانة والفساد وأعدم «كل أمل بتوليد نهضة قومية صحيحة.»[1] وفي الخطاب ذاته، يصف سعاده الظروف الروحية النفسية التي وجد نفسه محاطاً بها عندما قرر وجوب إنقاذ الأمة بإنشاء الـحزب السوري القومي، فيقول:

هي ظروف انحطاط في الـمناقب عز نظيره. فإن فقد الثقة بالنفس وبقوى الأمة وإمكانياتها السياسية والاقتصادية، والاستسلام للخنوع، أنشأ طائفة من الـمأجورين للإرادات الأجنبية القريبة والبعيدة يغذون الأفكار بسموم فقدان الثقة بـمستقبل الأمة والتسليم للأعمال الـخارجية والـحالة الراهنة. فإذا النفسية العامة في الأمة نفسية خوف وجبن وتهيّب وتهرّب وترجرج في الـمناقب والأخلاق. ومن صفات هذه النفسية العامة الـخداع والكذب والرياء والهزؤ والسخرية والاحتيال والنميمـة والوشايـة والـخيانة وبلوغ الأغراض الأنانية، ولو كان عن طريق الضرر بالقريب وعضو الـمجتمع.[2]

هذا الواقع اعتبره سعاده «أكبر نكبة أصيبت بها الأمة»[3] وشرحه بتفصيل مأسوي في «المحاضرات العشر»، حيث وصف الحالة التي نشأ فيها الحزب:

«كانت الجاسوسية متفشية… وكانت الخيانة أيضاً منتشرة وتصدر من كل جهة تقريباً بلا حساب ولا مسؤولية، لأن معنى الحياة المجتمعية في بلادنا كان مفقوداً بالكلية.»[4]

ويوضح أن غياب المعنى الاجتماعي حوّل الخيانة إلى سلوك «مقبول» بل ومربح:

«وكان كل خائن يظن أنه يقوم بمهارة عظيمة إذا سبق غيره إلى الخيانة ليستفيد من نتائجها. وإلى اليوم لا نزال نسمع من يقول ‘إذا لم أسبق أنا إلى الخيانة يسبقني غيري ويأخذ الوظيفة. إذن يجب عليّ أن أسابق في الخيانة.»[5]

هذه البيئة الداخلية الهشة، تصبح هدفاً سهلاً للقوى الخارجية. في مقال «دعاوات وجاسوسية أجنبية» (1948)، يحذر سعاده من أن سورية تتعرض «لتيارات من الدعاوات الأجنبية شديدة وجامحة. وتصاحب هذه الدعاوات جاسوسية خبيثة، قحة، ماكرة. وتصاحب الجاسوسية خيانة قومية، صفيقة، هازئة.»[6]

ويكشف الآلية التي تتحول فيها هذه الهجمات الخارجية إلى خيانة داخلية، موضحاً أن دوائر الاستخبارات «تجد في المواطنين الخالين من الوجدان القومي، المجرّدين من قضية تربط بها حياتهم… جيشاً من العمال لجباً هو ‘القائمة الخامسة.»[7] بل إن الإقبال على الخدمة كان كبيراً لدرجة أن «تلك المراكز اضطرت لقفل أبوابها في وجه طلاب الخيانة»![8]

وهكذا، يتضح أن الخيانة في تحليل سعاده هي ظاهرة مجتمعية منهجية قبل أن تكون جريمة فردية، ناشئة من غياب كيان الأمة وضعف الوجدان القومي، مما يخلق بيئة تتبارى فيها النفوس على الخيانة بدلاً أن تتبارى في الشرف والوفاء.

ثانياً: الانحراف الفكري والعقائدي ـ من القومية إلى الكيانية

على هذه التربة الخصبة، ينمو السبب الفوري للخيانة، ألا وهو التحول من الإيمان بالمشروع القومي الشامل إلى تبني نظرة ضيقة. ويتجلى هذا في التحول من «القومية» إلى «الكيانية» كما في حالة نعمة ثابت وخطابه «الواقع اللبناني» (.

ثالثاً: الضعف الأخلاقي والنفسي ـ غياب المناعة الخلقية وثقافة الرياء

حيث تغيب «المناعة الخلقية» وتضعف الشخصية، لتصبح الخيانة خياراً ممكناً. ويظهر هذا ليس فقط في السعي وراء المصالح الشخصية، بل وفي بيئة اجتماعية فاسدة تتسامح مع الانحراف. ففي رسالته إلى الرفيق يعقوب ناصيف (10 كانون الأول 1944)، يكشف سعاده عن عمق هذه المشكلة، مفسراً كيف يهيئ «واقع الأمة» هذا لظهور الخونة:

  1. اختبار «ميعان الأخلاق» و«انعدام قوة التمييز بين القيم: يصف سعاده الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه بأنه يتسم ب»ميعان الأخلاق» و«انعدام قوة التمييز بين مختلف القيم«، بحيث أن «أقل ريح تهب تكفي لتبديد» ما يُبنى من جهد. هذه البيئة الأخلاقية الهشة هي الحاضنة الطبيعية للخونة.
  2. الرياء الطويل وثقافة «الانتظار«: يكشف سعاده عن آلية خطيرة تغذي الخيانة، وهي «الرياء الطويل» الذي يمكّن للمرائين مثل جبران مسوح من اكتساب منزلة زائفة. ويشير إلى خطر «ضعف الروابط النظامية وقلّة الفهم للأمور العمومية«، الذي يجعل بعض الأعضاء «يتوقفان عن يمينهما لينظرا فيما يقوله الزعيم وما يقوله جبران، مساويين بين الاثنين في المنزلة والحرمة.» [9]هذه العقلية، التي تضع الحق والباطل على قدم المساواة، هي التي تجعل سعاده «قليل الثقة بالأشخاص الذين ينضمون إلى الحزب غير واعين أوليات النظام«.
  3. النفسية المؤهلة للخيانة: في مواجهة هذه البيئة، يعلن سعاده المبدأ الجوهري: «إنّ الحزب السوري القومي يقوم بنفوس حاوية ‘القوة واليقين والإيمان، ولا يقوم بنفوس ذوي الضعف والشك والانقلاب.» [10]وهكذا، فإن الخائن، في التحليل النهائي، هو نتاج «نفوس إجرامية» (كما وصف مسوح) تفتقر إلى هذه المقومات النفسية السليمة، وتستغل «ضعف مبادىء المجموع وقلّة إدراك الجمهور» لمآربها.

وبهذا، لا يكون الضعف الأخلاقي مجرد سمة فردية، بل هو ثقافة سائدة ـ من «ميعان الأخلاق» و«الرياء» و«ضعف المباديء» ـ تخلق الحاضنة المثلى لنمو الخونة وتفشي خيانتهم.

رابعاً: الغفلة التنظيمية ـ إفساح المجال للداء

يؤكد سعاده أن حالة التراخي والإهمال وضعف النظام ليست مجرد هفوات إدارية، بل هي بيئة مواتية لانتشار الخيانة كمرض معدٍ، يحذر من أن المجتمع (أو الحزب) الذي «يفسح للخيانة مجالاً هو مجتمع مريض قد يصل إلى درجة أن يكون» «مجتمعاً لا يستحق البقاء»، لأنه فقد شرط وجوده الأساسي وهو الثقة. فالتراخي، في هذه الحالة، هو تفريط بشرط الوجود.

وقد قدّم سعاده في مقاله «المثالية الأولى» تشريحاً دقيقاً لـ مسار الانهيار الذي يبدأ بالتراخي، قائلاً:

«كـان مـن وراء التـراخـي الـمـذكــور أن ضَعُـفَ اليقيـن العقدي وروحيـة الصراع. وظهر هذا الضعف جلياً في إهمال إدخال ملبي الدعوة… وانحط معنى الطاعة وقيمة الـمسؤولية النظامية والواجب، فهبطت الـمعنويات هبوطاً مخيفاً وصارت حالة الكثير من الـمديريات… حالة جيش استسلم إلى العبث والفوضى فلم يعد يـمكن ضبطه ولا استعماله في أية مهمة.»[11]

هذا المسار يوضح أن الغفلة التنظيمية ليست نقطة بداية فحسب، بل هي عملية متسارعة تفضي إلى العجز الكامل. لذلك، كان علاج سعاده جذرياً، متمثلاً في «تطهير الدوائر الـحزبية العليا من الـمصابين بأمراض التهدم والتراخي» و«إعادة قيمة الـمسؤولية إلى حقيقتها الفعلية»، مما يؤكد أن مواجهة الخيانة تستلزم بالضرورة استئصال بيئتها الخصبة: الغفلة والتراخي.

وهكذا تتكشف الخيانة عند سعاده كظاهرة معقدة وتراكمية: تبدأ من واقع اجتماعي وسياسي مأزوم، ينتج عنه فرد ضعيف الوجدان القومي، مما يهيئه لـ انحراف فكري، يعززه ضعف أخلاقي، وتسمح به في النهاية غفلة تنظيمية.


[1] سعاده في أول آذار، ص 27.

[2] المرجع ذاته.

[3] المرجع ذاته.

[4] أنطون سعاده، المحاضرات العشر 1948، 170.

[5] المرجع ذاته.

[6] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الثامن 1948 ـ 1949، “دعاوات وجاسوسية أجنبية”، النشرة الرسمية للحركة القومية الاجتماعية، بيروت، المجلد 1، العدد 7، 30/3/1948.

[7] المرجع ذاته.

[8] المرجع ذاته.

[9] إلى يعقوب ناصيف، 10/12/1944.

[10] المرجع 1ذاته.

[11] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الثامن 1948 ـ 1949، المثالية الأولى (بقلم هاني بعل)،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *