عطالله السليم في جديده ليست النهايات من اختصاصي (دار نلسن، 2025، تصميم الغلاف رشا الشوفي) يدوّن شذرات يراها خواطر تأسيسيّة، هي خواطر يُمكن أن تتطوّر شرطاً أساسيّاً لنموّها. فهو لم يمارس، في حياته، رقابةً على عقله، فأجهدتْه كثرة التحليل والابتكار واكتشاف المعاني الباطنيَّة، كما انّه طوَّع معارفَه ومهاراته، في ميادين شتَّى، في سبيل كِتابة تعليق وتحليل وغزل وخاطرة وشذرات، وإن ألبسَها، أحياناً، طابع التهكُّم والسُّخرية، إلّا أنّها تحمِلُ في طيّاتها معاني ودلالاتٍ عميقة.
يجمع هذا الكتاب «ستاتسات» فيسبوكيّة، كتبَها في مراحل زمنيَّة مُختلفة، منذ أن أنشأ حساباً على هذه المنصَّة عام 2007، وصولاً إلى يومنا هذا ـ أي قرابة ثمانية عشر عاماً. ساعده المجالُ العام المفتوح لوسائلِ التواصُل الاجتماعي ـ قبل أن يتمّ تقييدُه بسلسِلة من التدابير والخوارزميَّات ـ على اختراق حيّز الكتابةِ والنشر على نطاقٍ واسع، ومشاركتهما مع العامّة. لقيت هذه الكتابات تفاعلاً «افتراضيّاً»، ما شجّعَه على تجميعِها ونشرِها في كتابٍ، كي لا تُنسى مع مرور الزّمن. ولأنّه يُحسب في عِداد جيلٍ نما في خضمِّ فورة وسائل التواصُل الاجتماعي، أصبح لديه ـ كما لدى الجميع ـ مساحةٌ خاصّة من الذكريات، كلٌّ على حِسابه الشخصي إلى حَدّ جعل بعض الخُبراء يقولون إنّه بات لدينا ذاكِرةُ ديجيتال تماماً مثل الذاكِرةِ الحقيقيَّةِ والواقعيَّةِ.
نقرأ في هذا الكتاب أفكاراً مُتناسلةً من عقله إزاء تجارِبَ شخصيَّةٍ وعامَّةٍ، وتعليقاتٍ على ظواهرَ اجتماعيَّةٍ ومُعضلاتٍ سياسيّةٍ وقضايا حيويّةٍ تهُمُّ المُجتمع. إضافةً إلى ذلك، هي كتابات تتلمَّسُ حُدودَ الخيال، فتشتبكُ مع الواقِع، مؤسّسةً لمِساحةٍ عبّر فيها عن طَيفٍ هائل من الأحاسيس وكلّ ما يفتُن العقلَ والقلب. هذه اللحظات وثّقها ولم يتركها شريدةَ الذّهن، بل شرَد ذهنه معها، وأطلقَ عبرها ومعها، رصاصَ كلماتٍ مدوّية.
وعطالله السليم واعٍ انّه يُمكن قراءة هذا الكتاب من الصّفحة الأخيرة إلى الصّفحة الأولى ولن يتأثّر الحكم عليه بشيء، وهذا دليل آخر على صحَّة افتراضه أنّ النِّهايات غير مُجدية. لكن ثمّة حقيقة دامغة يعرفها عن نفسه: فهو مُعجبٌ دوماً بالبدايات لما تختزنُ من احتمال طاقة وحُبّ وشغف، وليس مهتماً كثيراً بمآلات الأحوال ومصائرها، فالنِّهايات تُكتب، أحياناً، بغير إرادته. ولأنَّ البِدايات شغفه، فالنِّهايات ليست من اختصاصه. وها هو عطالله السليم لا يتوانى عن إظهار فهمه الواعي والدقيق لمسألة ارتقاء السوشال ميديا في حياتنا إلى مستوى اللاهوت الأرضي، ومنها:
- هي: كتير بحبّ الـ satire يلّي بتكتبو
هو: يا satire يا ربّ
- حبيبي ما بفهم الـ metaphor بستاتساتك
بفهمك إيّاهنmeta أشوفك
- هي: أيمتى بدّك تحكيني؟
هو: «بعد قليل من الحُبّ.. بعد الحُبّ بقليل»
- حبيبتي الجديدة
أحتاج «أيفون» جديداً
لكي تبدو صورتُنا أجمل
يَعي عطالله السليم متاهةَ الغرام وسطَ زحام السوشال ميديا وضوضائها فيدرك أنّ كلّ هذا العِشق المُرقَّط في جُعبتكَ إنسان خارق لجسدِكَ، على تُخوم الخوفِ أو المُتعة، يتأرجحُ جسدُك ويُغنِّي عِشقه ولذَّته ورغبَته.
عطالله السليم، كونه كاتباً فلسطينيّاً، في زمن فلسطيني لم يعرف خواتيم مغلقة، لا عودة اكتملت، ولا منفى استقرّ، ولا حكاية أُقفلت على نحو مريح. من هذا الباب، يتحوّل العنوان عنده إلى بيان سياسي مفتوح، فللّه درّه عطالله أراحهُ صبرهُ من غبّ طلبِ الستاتسات.
محمود شريح

