فكر قَمعي يستهدف الحبّ!
يبدو أن ظاهرة «الترامبية» السياسية، تجتاح الولايات المتحدة الأميركية بوتيرة جارفة تسعى إلى السيطرة على كل مظاهر الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والكلّ مستهدف بدون استثناء، هذه المرة الهدف هو أفلاطون وفكره الفلسفي صدقو أولا تصدّقوا!
أجل أفلاطون هو المستهدف من خلال حظر كتابه الشهير «المائدة» أو «الندوة» لعدم تدريسه في الجامعات في ولاية تكساس.
ولمن لا يعرف هذا الكتاب وموضوعه هاكم نبذة عن محتواه:
كتاب المائدة (Συμπόσιον) لأفلاطون هو حوار فلسفي يتناول موضوع الحب (إيروس) وطبيعته. نعم موضوع الحب؛ لذلك يجمع هذا الكتاب الحوارات بين مجموعة من الشخصيات الفلسفية والشعرية في مأدبة عشاء، حيث يتناقشون حول معنى الحب وطبيعته.
يتناول الحوار سبع مداخلات حول الحب كل منها يقدّم وجهة نظر مختلفة حول الموضوع. ومن أبرز ما ورد في هذه المداخلات:
ـ مداخلة الفيلسوف فيدروس، الذي يعتبر الحب إلهًا قديمًا وقويًا.
ـ مداخلة الفيلسوف باوسانياس، الذي يميّز بين نوعين من الحب: الحب العادي والحب الأسمى.
ـ مداخلة الشاعر أريستوفان، الذي يروي قصة عن أصل الحب والإنسان.
ـ مداخلة سقراط، الذي يقدّم نظرية حول الحب كوسيلة للوصول إلى الجمال الأبدي (وما أبدعها من نظرية متسامية).
يعتبر كتاب المائدة من أهم أعمال افلاطون، ويتناول موضوعات فلسفية عميقة حول الحب، الجمال، والوجود.
ولكن؛ لماذا يريد الترامبيون في تكساس حظر «المائدة» لأفلاطون في الجامعات؟
على ما يبدو أن بالنّسبة لإحدى أكبر الجامعات في أميركا، قد يكون هذا النصّ العتيق مفسِدًا للشباب. وهو الاتهام عينه الذي وُجّه إلى سقراط قبل خمسةٍ وعشرين قرنًا.
أما من حيث هو الآن في العالم الآخر، سوف نتخايل سقراط وهو يتلذّذ بهذه المفارقة التاريخية أو يسخر منها:
إذ بعد خمسةٍ وعشرين قرنًا من إدانته وشربه محلولا سامّا مستخرجا من نبتة الشوكران بتهمة «إفساد الشباب» على يد النّظام الأوليغارشي الذي كان سائدًا آنذاك في أثينا، ها هو في العصر الحديث يُطرد من جامعة أميركية للسبب ذاته، كما لو أن الفكر البشري لم يتطوّر عبر العصور ولم يرتقِ الإنسان بتاتا والعدائية لدى البشر تتعاظم يوما بعد يوم!
بنتيجة مداولات جماعة ترامب صدر القرار التالي: كتاب «الندوة» (أو «المأدبة»)، أحد أشهر محاورات أفلاطون، والتي يضع فيها، كما في أعماله الأخرى، معلّمه سقراط في قلب النص، لن يُدرَّس بعد اليوم في جامعة تكساس A&M، إحدى أكبر الجامعات الحكومية في البلاد.
وما هو السبب لهذا القرار التعسّفي؟ السبب هو أن الكتاب يصنّف كما لو أنه سمٌّ زعَاف …
هذا ما قرّرته مديرة قسم الفلسفة، تنفيذًا لتوجيهات «مجلس الأمناء» في الجامعة (ما يعادل مجلس الإدارة)، وقد عُيّنوا جميعهم من قِبل «غريغ أبوت»، حاكم تكساس والمقرّب من دونالد ترامب.
بحسب رأيهم، يحمل كتاب «المأدبة» في طيّاته سمّ «أيديولوجيا الجندر»، وقد يعاود «إفساد الشباب» كما يزعَم هؤلاء الطهرانيّون الأنقياء ومع انتقال «ثقافة الإلغاء» إلى الضفّة العلميّة، ها هو أفلاطون يُمنع في الحرم الجامعي. حُكم على الكتاب أنّه منفتح أكثر من اللازم، تمامًا كما حُكم قبل سنوات على أشعار أوفيد (شاعر روماني قديم ترجم له أدونيس كتابه التحوّلات les métamorphoses) فقد اعتُبر شعر أوفيد أنّه شعرً «ذكوريّ» أكثر من اللازم!
يمكن للمرء أن يتخيّل ما الذي دفع الرقيب الترامبي إلى التدقيق بمحتوى كتاب «المائدة»
إنه تحديدا المقطع الذي يستحضر فيه أريستوفان أسطورة الإنسان الأندروجين، ذلك الكائن الأسطوري الذي كان يمتلك الجنسين.
وتقول الأسطورة أن الإله زفس شطرهما اي الذكر والأنثى إلى نصفين عقابًا لهما على قوتهما وحبهما. ومنذ ذلك الحين، وهما يبحثان عن نصفهما الآخر ليعودا واحدًا وهذا ما نسمّيه… الحب.
نعم، في «المائدة» يعترف أريستوفان بتعدّد الحالة الإنسانية الأصلية (إذ يبحث كلٌّ عن نصفه الذي يحتاج إليه)، لكن لا علاقة لذلك إطلاقًا بأي ترويج لما يُسمّى «التحوّل الجندري» أو أي شيء لا اخلاقي. هل بات الحكم الترامبي يخشى حتى من الميثولوجيا اليونانية؟ هل وصل التسطيح والابتذال والسخافة والجهل والتفاهة الى هذا الحدّ؟
لو عاد سقراط إلى عصرنا اليوم فمن الأكيد أنه كان ليبدّل كل قناعاته ويعيد صياغة فلسفته.
لا بدّ أن سقراط في عالم آخر إذا صحّ التعبير يضحك من غباء بعض حكّام العالم الذين يبحثون عن البرغوث في أطنَان من القش المتراكمة كي يوطدوا حكما من خلال تغذيته بقداسة مزيّفة وطهرانية مرائية هنيئا لسقراط أقول، فهو لم يعد في قيد الوجود ليتحمّل كل هذا الجهل وهذا القمع في عالم يطارد كل شيء حتى الحبّ !

