إستنارة رجل الشارع

من هو « رجل الشارع»؟. إنه كل رجل وامرأة، يعتقدان أنهما ينتميان إلى دولة، وهنا ليس المقصود هو الجنسية، على الرغم من أن الجنسية نفسها من مفرزات «دولة»، حتى لمجرد ذكرها ـ«الدولة»ـ في سجلات الأمم المتحدة، فرجل الشارع هذا يحمل مسؤوليات على عاتقه، تتجاوز مدفوعات الضرائب والماء والكهرباء والخدمات، إلى ما هو أرقى بكثير، فهذه المسؤوليات تتقابل تماماً مع مسؤوليات «الدولة» متمثلة برجالاتها وممثليها أمامه هو تحديداً، ما دام يؤدي واجباته الدستورية (حصراً) لها، وعند هذا التقاطع الإجباري، تتبادل الدولة ورجل الشارع المسؤوليات التربوية المصنّعة لجريان الحدث الاجتماعي، كحدث إعماري، يتساوى أمامه الجميع، فالمسؤولية ليست شأنا اختيارياً في «دولة»، بل هي نتاج تربية تؤمن العلم بهذه المسؤولية، فمجرد سائق سيارة أرعن يمكن أن يطيح «بالدولة» و«هيبتها»، لإنه لم يتربى على قوانين المرور، التي تشير إلى تقاسم الحقوق والواجبات مع الآخر عند قيادة السيارة، وهذا ليس مثالاً رمزياً، بل مثال واقعي نراه يومياً، في كل بقاع «دولنا» السورية، وبالقياس عليه، يمكننا أن نستقرئ، أن هناك فقدان الدولة «لدوليتها»، عبر تطبيق هذا المثال، على كل تصرف من تصرفات رجل الشارع هذا، وهو في المقام الأول و الأخير المستفيد الأساسي من وجود «دولة» تتعرض لنفس التربية، فالنبت الصالح ينمو بالعناية، وهذا ما يتطلب المعلومة، وتفعيلها كمعرفة على الأرض، وعليها تبنى القيم والمثل والأخلاق، كممارسة معرفية، وليس مجرد ممارسة اللطف أثناء مواجهة قلة القيم، فالقيم الناتجة عن الممارسة المعرفية بين رجل الشارع ومؤسسات الدولة، هي الوجه الحضاري للبلاد في سعيها كي تكون أوطان.

عادة ما يسمى ربط المعلومة بممارستها، بالوعي، وهي كلمة زائفة تماماً، لإنها عمومية وغير ذات اختصاص، ولا تعبر عن مصلحة شخصية، فوعينا بوجود أمة لا يعني أبداً وجود مجتمع ( هذا ما نمارسه على أرض الواقع)، ولكن المجتمع(بالمعنى التقني) هو التكنولوجيا الوحيدة، القادرة على «تفعيل» هذا «الوعي!!»، وجعله واقعاً اجتماعياً ممارساً، وهنا تصبح الحاجة ملحة وتأسيسية لثقافة حقوقية واضحة ومعلنة، وغير تدليسية ( ثورية أو انقلابية)، تجعل من المعرفة وعياً مستعاراً وتجميلياً، يقاس عليه الأسوأ، على أنه أحسن من الأسوأ منه. ليتحول ما سمي وعياً، إلى إرادة تزييف ومن ثم كوارث، إذ لم يحمل رجل الشارع مسؤولياته المعرفية، ليتحول السائق الأرعن إلى رجل شارع لا يمكنه رؤية الملك (الدولة) عارياً، لنقص معرفته، ولانعدام وسائل توصيل المعرفة لديه، لذلك لا يستطيع أن يحاسب فهو لا يعرف الدولة كثقافة حقوقية، بل كطرف محتكر للعنف، وهذا في حال وافقت مواصفات محتكر العنف، مواصفات الدولة، لينحرم رجل الشارع من تقدير أو قياس هذه الدولة وأداءها بمعايير الرشد، طالما تنازل عن حقه بالتربية المتبادلة، وعندها يصبح سائق السيارة الأرعن، مثال الشطارة والمهارة، عبر احتكاره للعنف الكامن في سرعة السيارة ومحركها.

هنا تبدو مسألة رجل الشارع تأسيسية، فرجل الشارع الذي يؤمن بالانتقام، هو رجل لا يعنيه وجود دولة، لإنه لا يعرف الفائدة العائدة عليه منها، وكذلك، لا تعنيه سرقة الآخرين أو حتى قتلهم، دون أي سقف قيمي، أو إنساني، مع علمه السابق بهما، ولكن معرفته التافهة تجعل منه مسخاً بشرياً يحاول السلبطة والتجبر، لمجرد شعوره بالقوة الفيزيائة اللازمة، مع اشتراط عدم وجودها لدى الآخر، حيث يدرج هذا الشرط كجزء من العدالة الكونية، فالأسد يأكل الأرنب بشكل طبيعي، ولكن دون تعاقد مع الأرنب، أو حتى تفاهم، وهذه هي بالظبط البنية الأخلاقية لرجل الشارع، وهي ما يفرز ثقافة اللامجتمع، وهو ما يجعل التخلف كائناً عضوياً في الاجتماع البشري، والتخلف هو الضعف بعينه، بغض النظر عن كمية الإستئساد، التي يمتلكها رجل الشارع المجهّل، ليتحول إلى جهول، عند ممارسته المعلومات، واستغرابه من عدم تحولها إلى معارف، تستطيع تحقيق ما عليها من منجزات بكم كونها معرفة، وليست مجرد شوكة وغلبة.

ما يحصل في كيانات شرق المتوسط، هو تخلف ناتج عن جهالة مستشرية، فبينما يتناثر ويتبعثر هذه البلاد (ليست أوطان حتى الآن) في الملاجئ والمغتربات، مفتقدين القدرة على تحويل معلومات الاندماج إلى معرفة به، نظراً لفقدان هذه المعرفة في بلدانهم الأصلية ( وهي خاصية تأسيسية لإحداث المجتمع)، تبدأ البلدان المستقبلة لهم بترحيلهم وطردهم، لإن ثقافتهم، غير معنية بالمشاركة المجتمعية، وليس لديها إي معرفة، بدور الدولة في حماية المجتمع، الذي هو السبب التأسيسي لوجودها.

المطالبة بدولة تقدم خدمات فقط، هي مطالبة فاشلة، لإنها تغفل الدور المجتمعي لرجل الشارع، الذي يجب أن يتحلى بالمعرفة المفضية إلى المسؤولية، والتهرب من المسؤولية، يسمى تخلفاً، الذي يضع البلاد والعباد في دائرة لا نهائية من التظالم العنيف، تدمر في دورانها القيم والأخلاق، لدرجة التسمم بذاتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *