تحولات النظام العالمي الجديد

بعد أربعة أعوام من استعار الحرب الروسية الأوكرانية ـ الأوروبية، وفي أعقاب انقشاع غبار الحرب في غزة، وبزوغ فجر إدارة جديدة في «بلاد العم سام’؛ يترنح النظام العالمي الذي شُيد على أنقاض الحرب العالمية الثانية تحت وطأة التحولات الكبرى.

 لقد بات الانهيار حتمياً، ليفسح المجال أمام ولادة نظام جديد يعيد رسم موازين القوى من الصفر.

لقد ارتكزت إستراتيجية القوى العظمى، وفي طليعتها الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية، على استبدال «الاحتلال العسكري المباشر» بنموذج أكثر دهاءً يقوم على تقاسم النفوذ وتكريس الهيمنة. فبدلاً من السيطرة الميدانية المكلفة، عمدت هذه القوى إلى تفتيت الإمبراطوريات التاريخية وتحويلها إلى دول قومية صغيرة ومجزأة، صُممت لتكون بمثابة «(دول الوسادة’) Pillow States هذه الكيانات لم تُنشأ لتكون قوى ذات سيادة كاملة، بل لتعمل كمناطق عازلة وممتصات للصدمات الجيوسياسية، تُدار عبر نخب محلية وأتباع مخلصين يضمنون استقرار مصالح المركز وحماية خطوط إمداده، دون الحاجة لوجود استعماري ظاهر، مما جعل العالم رقعة شطرنج تُدار خيوطها عن بُعد.

إلا أن هذا النظام الذي أُسس على توازن «الوسائد» سرعان ما استحال إلى ساحة لصراع قطبي محموم بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، حيث انقسم العالم خلفهما في استقطاب حاد دام قرابة الخمسة وأربعين عاماً. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي في مطلع التسعينيات، طويت صفحة التعددية القطبية ليتحول العالم إلى قبضة «القطب الواحد» المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية. في تلك الحقبة، بلغت الهيمنة الأمريكية ذروتها، وأصبحت واشنطن المرجعية الوحيدة التي ترسم حدود السياسة، وتدير الاقتصاد العالمي، وتحدد مصائر الدول القومية الصغيرة وفق رؤيتها الأحادية، وهو ما يفسر عمق الصدمة التي يعيشها النظام الدولي اليوم مع عودة التحديات الكبرى لهذه الهيمنة.

ومع وصول هذا النظام إلى طريق مسدود، بدت ملامح التغيير تتضح في عجز الحلفاء التقليديين عن أداء أدوارهم التاريخية؛ فلم تعد القوى الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا، تلك القوة العظمى القادرة على فرض إرادتها بعد انحسار نفوذها في معظم أنحاء العالم، كما لم تعد أوروبا بمجملها ذلك الحليف الصلب الذي يمكن لواشنطن الاتكاء عليه بعد أن أنهكتها حرب الاستنزاف الطويلة مع روسيا واستنزفت مواردها العسكرية والاقتصادية. وفي مقابل هذا الأفول الغربي، بدأت تبرز على الساحة الدولية قوى صاعدة وتحالفات بديلة كالصين والهند، بالإضافة إلى توسع تحالف («البريكس» BRICS  )الذي بات يطرح نفسه كقطب اقتصادي وسياسي موازٍ، معلناً نهاية حقبة الهيمنة المنفردة وبداية عصر التعددية القطبية الفعلية.

لقد كانت روسيا والصين أول من بادر لتعزيز أسس النظام متعدد الأقطاب، إلا أن الأحداث المتسارعة اليوم تشير إلى إدراك الإدارة الأمريكية الجديد لخطورة هذا التهديد، مما دفعها للتعامل معه ببراغماتية قاسية. من هنا تبرز سياسة ترمب الجديدة التي تقوم على التخلي عن «عباءة القيم» التي تمثلها الأمم المتحدة، والتركيز بدلاً من ذلك على مصلحة الإمبراطورية الأمريكية المباشرة؛ عبر إحكام السيطرة على القارة الأمريكية وتأمين مواردها (من فنزويلا إلى بنما وصولاً لغرينلاند). وفي تحول إستراتيجي جذري، تخلت واشنطن عن «القوة الناعمة» واستبدلتها بتفويض الهيمنة لحلفاء إقليميين أقوياء كتركيا وإسرائيل، مع نفض يدها من الحلفاء الأوروبيين الضعفاء. أما بخصوص الاستنزاف الروسي، فقد اتجهت الإدارة الجديدة لتجميد الصراع عبر منح موسكو مناطق نفوذ معينة، مفضلةً إدارة الصراعات بأقل التكاليف بدلاً من الانغماس في حروب استنزاف لا تنتهي.

في ظل هذا المشهد القاتم، يبدو أن العالم يهرع عائداً إلى المربع الأول، حيث منطق القوة الذي ساد بدايات القرن الماضي. إن صراع الأقطاب المتجدد لن يرحم («دول الوسادة») Pillow States))؛ تلك الكيانات التي أُوجدت بقرارات دولية ولم تُبنَ بقرار ذاتي، إذ ستكون اليوم الأكثر عرضة لخطر الاندثار. فالدول التي «اختُرعت» لتعمل كمصدات للاحتكاك، قد تُمحى اليوم عن الخريطة ببساطة كما وُجدت، إذ لم يعد هناك مكان في النظام العالمي الجديد لأي دولة عاجزة عن حماية نفسها بفاعلية. نحن أمام حقبة «الافتراس الجيوسياسي»، حيث تبرز الإمبراطوريات الكبرى من جديد لتلتهم الفراغات، معلنةً أن السيادة في القرن الحادي والعشرين هي لمن يملك القوة، لا لمن يملك الاعتراف الدولي.

ضمن هذه الهوامش الضيقة، يتحرك حلفاء واشنطن الإقليميون لإعادة هندسة المنطقة وفق مصالحهم التوسعية؛ فبينما تسعى تركيا لمد نفوذها شمالاً عبر التمدد في العمق السوري وتفكيك المعضلة الكردية بتفاهمات مباشرة مع الإدارة الأمريكية، تنتهج إسرائيل والإمارات إستراتيجية «التفتيت الناعم». تهدف هذه الإستراتيجية إلى تقسيم المنطقة لدويلات ضعيفة يسهل اختراقها والسيطرة عليها عبر التفوق الاقتصادي والتقنيات الأمنية.

لقد نجحت إسرائيل بالفعل في تحويل السلطة الفلسطينية إلى أداة أمنية لحماية الاحتلال، وجعلت من الكيان الأردني حارساً لحدودها، وهي تطمح الآن لإنشاء «كيان درزي» حدودي ليكون درعاً واقياً من المد الإسلامي (سواء كان تركياً أو إيرانياً)، بالتوازي مع محاولات تقويض حزب الله في لبنان لإبعاده نهائياً عن المشهد. أما الإمارات، فتمد نفوذها عبر «إمبراطورية الموانئ» من القرن الأفريقي إلى اليمن، وتهيمن على مفاصل اقتصادية حيوية في مصر، بينما تدعم الحركات الانفصالية والانقلابية في اليمن، والصومال، والسودان وليبيا. وتأتي معاداتها الصريحة للإسلام السياسي (والإسلام كقوة جامعة) من إدراكها بأن وحدة الأمة هي العائق الوحيد أمام توسع نفوذها؛ فكيانات صغيرة الحجم كإسرائيل أو الإمارات لا يمكنها الهيمنة إلا فوق ركام دول كبيرة ممزقة.

وسط هذا التكالب الإقليمي، جاءت الاستفاقة السعودية المتأخرة، ولكن الحازمة، خاصة بعد أن تجاوزت المغامرات الإسرائيلية الخطوط الحمراء بقصف قطر وست دول أخرى في الحرب الأخيرة. ففي تحرك إستراتيجي لقطع الطريق على مشاريع التفتيت، سارعت الرياض لإبرام اتفاقية دفاعية تاريخية مع باكستان، القوة النووية الإسلامية الوحيدة، لترميم مظلة الردع الخاصة بها.

ولم تكتفِ المملكة بذلك، بل تحركت لتفكيك «أخطبوط النفوذ» الإماراتي؛ فعملت على طرد التواجد الإماراتي من اليمن والصومال بعد أن بلغت مشاريع الانفصال ذروتها باعتراف إسرائيل بـ «أرض الصومال’)Somaliland)  بوساطة إماراتية لتأمين قواعد تجسس عسكرية قبالة الحوثيين. كما وضعت المملكة ثقلها لوقف التمدد الإماراتي في الموانئ المصرية، لتجد الرياض نفسها في نهاية المطاف في خندق واحد مع المحور القطري ـ التركي. هذا التقارب الجديد يسعى لتأسيس «تحالف دفاعي إسلامي» عريض، ينضوي تحت لواء المعاهدة السعودية الباكستانية، ليشكل سداً منيعاً أمام مشاريع «الدويلات الوظيفية» ومحاولات تمزيق المنطقة من الداخل.

إننا لا نشهد مجرد تغيير في موازين القوى، بل نحن بصدد العودة إلى «شريعة الغابة الجيوسياسية» حيث لا مكان للضعفاء أو للكيانات الوظيفية التي تقتات على حماية الآخرين. وعلى الدول القومية أن تختار بين طريقين: إما الاندثار في ثنايا المشاريع التفتيتية التي تقودها قوى إقليمية وكيلة، أو الانضواء تحت مظلة تحالفات صلبة تملك أنياباً نووية وثقلاً حضارياً وتاريخياً. لقد انتهى زمن الحياد وزمن «الأمان الأممي» الزائف؛ فالقادم هو عصر التكتلات الكبرى، والسيادة فيه لن تُمنح في أروقة الأمم المتحدة، بل ستُنتزع انتزاعاً في ميادين القوة والتحالفات العقائدية العابرة للحدود. فهل ينجح المحور الرافض التفتيت، أم أن الإمبراطوريات القادمة ستبني أمجادها فوق حطام ما تبقى من خرائط القرن العشرين؟

جلال الصايغ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *