يترقّب العالم احتمال اندلاع حرب في المنطقة بين التحالف الأمريكاني اليهودي من جهة، وإيران من جهة ثانية. وبقراءة هادئة لميزان النتائج، يمكن القول إن هذه الحرب، حتى في أسوأ أحوالها، لن تكون نتائجها إلا لصالح إيران. فالمعركة، إن حصلت، ستأخذ على الأرجح شكل ضربات بعيدة المدى، جوية أو صاروخية، دون المساس المباشر بالأرض الإيرانية أو الدخول في احتلال فعلي.
وقد أثبتت التجارب السابقة أن هذا النوع من الضربات، وإن كان قادرًا على إحداث دمار أو ترك ألم مرحلي، إلا أنه لا ينجح في إضعاف تماسك الشعب الإيراني، ولا في كسر إرادته أو إصراره على السيادة القومية بعزيمة صادقة. فالقوة الجوية وحدها، دون احتلال، لا تحسم صراعًا مع دولة تمتلك العمق الحضاري وعددًا بشريًا وازنًا ومساحة جغرافية استراتيجية.
في المقابل، يُرجَّح أن يتّجه الوحش الأمريكاني واليهودي إلى تشديد الطوق والحصار على إيران، بما يؤدي إلى تراجعها اقتصاديًا وضغطًا متزايدًا على الحياة الشعبية. غير أن نجاح هذا السيناريو يتطلّب، وفق منطق المخطّط، قبولَ وخضوعَ تركيا الكامل للخطة الأمريكانية، بعد أن تكون قد أبرمت اتفاقًا مع الأمريكاني، ورضيت بحصتها من أراضي الشام التي احتلّتها، ونفّذت رغبتها بضرب الأكراد المناوئين لها. والمشروع الأمريكاني كذلك يتطلّب تمدّد الجولاني باتجاه العراق، وإشغال العراق في صراع مع الشام، وتحريك المجموعات الداخلية المضادّة لحلفاء إيران في العراق، بما يضيّق الخناق على المقاومة العراقية واتصالها بالعمق الإيراني أو ينهيه.
في هذه المعادلة، يبقى الحليف العربي الأبرز هو اليمن، إلى جانب أحزاب المقاومة في لبنان. وهنا يطرح السؤال: هل يشكّل الوجود العسكري الأمريكاني في المنطقة مقدّمة لضرب اليمن وإضعاف الحليف القوي لإيران، ثم ضرب أحزاب المقاومة في لبنان بمعاونة العدو اليهودي؟ وفق هذا الاحتمال، تكون إيران محاصَرة إقليميًا، وقد تُترك بلا حلفاء فاعلين، ويتوقّع الأمريكاني من خطته ان تبقي لإيران حلفاء ضعفاء.
غير أن هذا السيناريو، إن تحقّق، لا يبدو أنه يقدّم للولايات المتحدة الأمريكانية سوى الفشل الكبير. فإيران ستبقى تحتفظ باحتياطات الغاز والنفط والموارد الطبيعية، وهو ما يعزّز قوّتها الاستراتيجية بدل أن يضعفها. وحتى لو تمّت فرضيّة تبديل النظام الموهومة، لن يكون النظام الجديد تابعًا للولايات المتحدة الأمريكانية. وفي السياق، إذا كانت واشنطن قد سجّلت فشلًا على صعيد إيران، فإن السؤال يبقى: ماذا ربحت؟ الجواب أن الربح الحقيقي ليس لها، بل سيكون للعدو اليهودي، على أرضنا، من خلال تقاسم الشام مع تركيا، وتحجيم المقاومة العراقية ووضع حدّ لخطرها على العدو اليهودي والأمريكاني. ويعتقد الأمريكاني أن أحزاب المقاومة في لبنان تُترك وحيدة، محاصَرة من الأنظمة العربية ومن العدوَّين الأمريكاني واليهودي معًا، ومن بعض الداخل.
أما الظنّ بإنهاء المقاومة في لبنان وكل الدول السورية، فيغفل حقيقة أساسية: ان المقاومة هي الإرادة الشعبية الأصيلة الحرّة؛ وإنها ليست جيشًا نظاميًا يمكن هزيمته في معركة وفرض الشروط عليه. وطالما أن الشعب قرّر المقاومة وتعمّق الاستقلال في النفوس، فلن يبقى المحتل في أرضنا، مهما اشتدّت الضغوط وتكاثرت الضربات، لأن النتيجة الحتمية هي انتصار المقاومة.
في مسعى الولايات المتحدة الأمريكانية للقبض على ثروات إيران، فهي بالتأكيد ستتكبد مليارات الدولارات، وتذهب كل مخطّطاتها أدراج الرياح، فإن الحرب، إن وقعت، ستجلب متاعب اقتصادية وتؤخّر النمو الطبيعي في إيران وبلادنا، لكنها لن تنال من ثروات إيران، ومن ارادتها في النهوض وبناء نفسها.
إن مواجهة العدو اليهودي والسطوة الأمريكانية تتطلّب إرادة شعب واحد، وأمّة واحدة، ومجتمعًا واحدًا له قضية واحدة تمتدّ من طوروس إلى مقلب سيناء. كما تتطلّب قطع التحالف مع الأمريكاني واليهودي وحلفائهم، واستبدالهم بحلفاء يقرّون ويعترفون بحقّنا القومي. كما تتطلّب وقف الحروب الداخلية، وعدم الانسياق إلى الاقتتال الداخلي المذهبي الذي يريده العدو الأمريكاني واليهودي والتركي.
نحن اليوم أمّة محتلة وفاقدة القوّة، لكننا لسنا فاقدي الكرامة ولا الإرادة في التحرّر. وإذا توحّدت الإرادة السورية حول قضية الحرية والسيادة القومية، فإن الانتصار يصبح حتميًا.

