لم تعد الحروب في هذا العصر تُخاض دائمًا بالدبابات والطائرات، ولا تُحسم بالخرائط العسكرية وحدها. ثمة حروب أخطر، أكثر هدوءًا، وأشد فتكًا، تُدار في الغرف المغلقة، وعلى طاولات المصالح، وتُسمّى في أدبيات الصراع الحديثة «إدارة المخاطر». في هذا النوع من الحروب، لا يُطلب منك إسقاط العدو مباشرة، بل يكفي أن تُسقط مظلّته، أن تحيّد حُماته، وأن تجعله ينهار من الداخل وهو واقف، بلا طلقة واحدة. هكذا سقط النظام السوري السابق، وهكذا سقطت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لا لأن خصومهم كانوا أكثر شجاعة أو أكثر عددًا، بل لأن لحظة التخلي عنهم قد حانت.
السقوط بلا حرب ليس دليل ضعف المهاجِم بقدر ما هو دليل هشاشة البنية التي تقوم على حماية الغير. وحين تُبنى الدول أو الجماعات أو الأنظمة على وهم الضامن الخارجي، فإن نهايتها تكون دائمًا أسرع مما تتخيّل، وأقسى مما تتوقّع.
أولًا: مفهوم «إدارة المخاطر» في الحروب الحديثة
في العلوم العسكرية والسياسية، لم يعد التقدّم يُقاس بالمسافة التي تقطعها القوات، بل بقدرتك على تعطيل القوى القادرة على منعك. «إدارة المخاطر» تعني ببساطة: تأمين مسار السقوط قبل وقوعه. أي إزالة العقبات الكبرى التي قد تُفشل المشروع، سواء كانت دولًا حليفة للخصم، أو قوى إقليمية داعمة، أو حتى رأيًا عامًا دوليًا قادرًا على العرقلة.
عندما تُدار الحرب بهذا المنطق، يصبح القتال آخر المراحل لا أولها. تُفكَّك التحالفات، وتُعاد صياغة الأدوار، وتُقدَّم الضمانات لهذا الطرف أو ذاك، حتى إذا ما جاء وقت الانهيار، بدا وكأنه تحصيل حاصل لا حدثًا جللًا.
ثانيًا: سقوط النظام السوري السابق… تفكيك الحماية قبل إسقاط البنية
لم يكن النظام السوري السابق عاجزًا عن القتال، ولم تكن مؤسساته العسكرية قد انهارت بالكامل، لكن ما انهار فعليًا هو شبكة الحماية التي كان يستند إليها. إيران وروسيا شكّلتا لعقود مظلّة ردع حالت دون إسقاطه بالقوة المباشرة، لكن هذه المظلّة لم تُكسر عسكريًا، بل جرى تحييدها سياسيًا.
الدور التركي هنا لم يكن تفصيليًا، بل محوريًا. أنقرة أدّت وظيفة الوسيط والمنفّذ في آن واحد، ضمن تفاهمات دولية أوسع، وافقت عليها الولايات المتحدة، ولم يعارضها الكيان الصهيوني، بل وجد فيها مصلحة مباشرة. حين ضُمنت حدود الخسارة، وحين أصبحت كلفة الاستمرار أعلى من كلفة الانسحاب، تُرك النظام يواجه مصيره وحيدًا.
السقوط هنا لم يكن سقوط دولة بقدر ما كان سقوط نموذج: نموذج النظام الذي يراهن على توازنات الخارج أكثر مما يراهن على تماسك الداخل.
ثالثًا: قسد… الكيان الوظيفي حين تنتهي وظيفته
قوات سوريا الديمقراطية هي المثال الأوضح على الكيانات التي تُصنع لأداء وظيفة محددة، لا لبناء مستقبل مستدام. نشأت برعاية أميركية، وتغذّت على غطاء دولي، لكنها لم تمتلك يومًا قرار الحرب أو السلم. وحين تغيّرت أولويات واشنطن، وحين فُتح الباب أمام التفاهمات مع أنقرة، بات وجودها عبئًا لا أصلًا استراتيجيًا.
ما جرى لقسد لم يكن هزيمة عسكرية، بل انسحاب رعاية. والداعم الذي يصنع كيانًا قادر أيضًا على تفكيكه متى شاء. هنا يتكرّر الدرس ذاته: من لا يملك استقلاله، لا يملك بقاءه.
رابعًا: العشائر العربية… قراءة واقعية بلا رومانسية
كثيرون يبالغون في دور العشائر العربية في لحظات التحوّل الكبرى، إمّا بدافع التهويل أو التبرير. لكن الواقع أكثر بساطة وأقل شاعرية. العشائر ليست قوة مبادِرة في الصراعات الكبرى، بل قوة مُلحِقة بالمنتصر. هي تتحرّك حيث توجد الغلبة، وتُبدّل تحالفاتها حين تتبدّل موازين القوى.
دورها في الانقلاب على النظام السابق أو على قسد كان دورًا مكمّلًا للمشهد، لا صانعًا له. ومن يقرأ التاريخ الاجتماعي للمنطقة يدرك أن الرهان على العشائر كقوة حسم مستقلّة هو رهان خارج الزمن.
خامسًا: وهم الحماية الخارجية… درس متكرّر
الاعتماد على قوى كبرى لحماية نظام أو جماعة هو رهان خاسر بطبيعته. التحالفات الدولية لا تُبنى على الأخلاق ولا على العواطف، بل على المصالح المتغيّرة. لذلك لا غرابة في سرعة الانقلابات، ولا في تبدّل المواقف بين ليلة وضحاها.
في العراق يُقال: «لا يحمي الأرض سوى أبنائها»، وهي عبارة تختصر فلسفة كاملة في بناء الدول. وفي مصر، تختصر الحكمة الشعبية المشهد بجملة لا تقبل التأويل: «المتغطي بأمريكا وروسيا عريان».
سادسًا: لماذا صمد النظام الإيراني
النظام الإيراني يشكّل الاستثناء الذي يؤكّد القاعدة. منذ عام 1979، وهو يواجه حصارًا خانقًا وعقوبات تجاوز عددها ستة آلاف، ومع ذلك لم يسقط. السبب ليس غياب الأعداء، بل امتلاك عناصر الصمود الذاتي. الدولة هناك بُنيت على مبدأ الاكتفاء الذاتي، وعلى عقيدة حماية النفس بالنفس، لا بالاستقواء بالخارج.
قد يُختلف أو يُتّفق مع هذا النظام، لكن لا يمكن إنكار حقيقة واحدة: من يعتمد على نفسه، يصمد، ومن يراهن على غيره، يسقط عند أول مفترق مصالح.
سابعًا: إسقاط القاعدة على نموذج الجولاني
إذا طبّقنا هذا المنطق على نموذج الجولاني، تبدو الصورة واضحة. هذا الكيان لا يمتلك عناصر دولة، ولا مشروع إنتاج، ولا منظومة قيم تسمح له بالتعايش مع محيطه. هو قائم بالكامل على الرعاية التركية: عسكريًا، أمنيًا، سياسيًا، وحتى اجتماعيًا.
إدارته تعتمد على عناصر متطرّفة دينيًا، تفضّل أن تكون أداة وظيفية على أن تكون كيانًا مستقلًا. وبالتالي، فإن مصيره مرتبط مباشرة بمزاج أنقرة وبميزان مصالحها. لحظة أن ترى تركيا أن هذا العبء بات أكبر من فائدته، سيُعاد إنتاج المشهد نفسه: سقوط بلا حرب.
ما جرى في سوريا، وما جرى لقسد، وما قد يجري لغيرهما، ليس سلسلة مصادفات، بل قانونًا سياسيًا صارمًا: الدولة أو الجماعة التي لا تحمي نفسها، لا يستحقها أحد أن يحميها. الحماية الخارجية مؤقّتة، مشروطة، وقابلة للسحب في أي لحظة.
وفي عالم لا يعترف إلا بالقوة الذاتية، يبقى الدرس واحدًا لا يتغيّر: إمّا أن تكون صاحب قرارك، أو تكون ورقة على طاولة الآخرين… تُستخدم ثم تُرمى.

