تشكّل حركة مقاطعة الكيان الصهيوني لا سيما من قبل الغرب العنصر الذي لا يستهان به في إلحاق الخسائر المالية الملموسة بالشركات العالمية، والاقتصاد «الإسرائيلي». لم تعد الشركات الدولية الكبرى تتجاهل هذا الضغط. فلأول مرة، باتت شركات عملاقة مثل كوكا كولا وستاربكس تذكر بكل صراحة كلمة «المقاطعة» بوصفها خطراً مادياً في تقاريرها المالية السنوية، مُعترفة بالتأثير المباشر في أرباحها النهائية. وقد أثبت سلاح المقاطعة الاقتصادية قوته على العديد من القطاعات التي شهدت تراجعاً لا يستهان به.
آخر التطورات في موضوع المقاطعة وتأثيراتها على المؤسسات المنتمية إلى الكيان الصهيوني، هي أعلان سلسلة المطاعم الإسرائيلية «بوكر توف»، الشهيرة بتقديم الأطباق الفلسطينية على أنها «إسرائيلية»، إفلاسها وإغلاق آخر فروعها في مدينة أنتويرب البلجيكية مطلع كانون الثاني 2026، بعد أن واجهت ضغوطاً متزايدة وحملات مقاطعة واسعة مرتبطة بالعدوان «الإسرائيلي» على غزة.
وقد اشتهرت هذه المطاعم بتقديم أطباق مثل الحمص والشاورما والكنافة، حيث تعرضت لانتقادات بأنها تستولي على المأكولات الفلسطينية وتسوّقها ك «إسرائيلية»، وهو ما جعلها هدفاً لحملات شعبية في أوروبا. وتلقّى أصحاب السلسلة مع تصاعد المقاطعة، آلاف الرسائل التي وصفوها ب «العدائية» بالإضافة إلى تقييمات سيئة عبر التطبيقات، ما دفعهم إلى إعلان أن استمرار النشاط أصبح مستحيلاً.
وجاء إغلاق فرع بلجيكا بعد سلسلة من التراجعات في دول أوروبية أخرى، حيث أغلقت فروع «بوكر توف» سابقاً في هولندا وفرنسا، وبذلك تكون السلسلة قد فقدت حضورها في القارة الأوروبية بشكل كامل.
أيضاً على مستوى القطاع الفندقي والمطاعم تتواجد المطاعم«الإسرائيلية» في أوروبا في مدن رئيسية مثل برلين، باريس، لندن وبلجيكا، وتشهد حالياً موجة غير مسبوقة من المقاطعات والتهديدات منذ اندلاع الحرب على غزة، ما أدى إلى تراجع حاد في الإقبال عليها، وخلق أجواء خوف وقلق بين أصحابها والعاملين فيها. فبعد أن كانت هذه المطاعم محجوزة بالكامل، باتت اليوم تواجه حملات عدائية تستهدفها بسبب هويتها المرتبطة بالإبادة الجماعية في غزة.
وبشهادة صاحبة أحد المطاعم في بروكسل، اختفى زبائنها الدائمين تماماً بعد الحرب، وتتجنب اليوم تشغيل الموسيقى «الإسرائيلية» أو تقديم النبيذ «الإسرائيلي»، حتى أن رئيس البلدية طلب منها إزالة كلمة «إسرائيلي» من لافتة المطعم لحمايتها.
أما في لندن، فيروي شيف أحد المطاعم أن مطعمه يقع وسط منطقة تشهد تظاهرات أسبوعية مؤيدة لفلسطين، وأن بعض الزبائن يضيفون في تقييماتهم ملاحظات تقول: «مطعم ممتاز، لكن إسرائيلي». فيما اضطر شيف آخر إلى إزالة اللافتات العبرية من واجهة مطعمه بعد تعرضه لانتقادات متكررة. أما في ليشبونة فقد أغلق مطعم «تنتورا» «الاسرائيلي» أبوابه.
من هنا يلاحظ الاقتصاديون تداعيات هذه المقاطعة على الشركات ويصفونها بأنها واسعة النطاق. فقد أغلقت ستاربكس 400 فرع في الولايات المتحدة بسبب ضعف المبيعات المرتبط بالمقاطعة، وبعد أن شهدت انخفاضاً هائلاً في قيمتها التسويقية تجاوز 11 مليار دولار خلال أقل من شهرين على بدء الحرب على قطاع غزة بسبب المقاطعة الشعبية. وخرجت «كارفور» من السوق الأردنية وتم إغلاق ثلاثة فروع لها في عمّان، وأغلقت محال «زارا» 188 متجراً في العالم وسط انخفاض المبيعات. وأعلنت شركة «كوكا كولا» عن انخفاض كبير في المبيعات بنسبة 10% في جميع أنحاء المنطقة العربية في الربع الرابع من عام 2023، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بشركات بارزة مثل ماكدونالدز وأمازون وديزني وغيرها، لانحيازها السافر للكيان الصهيوني في حربه المدمرة على قطاع غزة. وانضمت 300 مؤسسة ثقافية بلجيكية لمقاطعة الكيان.
إذن أدت حملات مقاطعة «إسرائيل»، خاصة بعد أحداث غزة، إلى أضرار مالية واقتصادية كبيرة للعديد من الشركات الأوروبية والدولية الداعمة أو المرتبطة بهذا الكيان، شملت انخفاض القيم التسويقية وتراجع المبيعات، ومقاطعة المستهلكين للعلامات التجارية، وسط توجه المستهلكين نحو المنتجات المحلية.
وتشير التقديرات إلى خسارة محتملة للاقتصاد «الإسرائيلي» تبلغ 20 مليار دولار، مما يؤثر على الشركات الأوروبية المستثمرة هناك.
لا بد من الإشارة إلى أن حملة المقاطعة العالمية هي متعددة الجوانب، تمتد من السلع الاستهلاكية إلى الصادرات الزراعية ومبيعات الأسلحة والتعاون الأكاديمي، وتلحق ضرراً اقتصادياً جسيماً ومستمراً ب «إسرائيل». وقد تطورت هذه الحركة، من نشاط استهلاكي شعبي إلى عقوبات حكومية رسمية، مما أدى إلى إغلاق الأعمال، وانخفاض حاد في الصادرات، وعزلة دبلوماسية غير مسبوقة للاقتصاد «الإسرائيلي». وعملاً بالمثل القائل «رب ضارة نافعة»، أدى هذا الأمر إلى تحوّل المستهلكين نحو المنتجات المحلية كبديل للعلامات التجارية المُقاطَعة. ووسط الإدانات الشعبية والرسمية لما ترتكبه «اسرائيل»، تواجه شركات أسلحة أوروبية ضغوطاً لإنهاء تعاونها مع هذا الكيان. وفي هذا الإطار أوقفت ألمانيا، ثاني أكبر مورد للأسلحة ل«إسرائيل»، شحن المعدات التي يمكن استخدامها في غزة. وطبّقت إسبانيا وبلجيكا وهولندا قيوداً مماثلة أو حظراً معلناً.
على مستوى التصدير الزراعي «الإسرائيلي»، يواجه القطاع الزراعي تأثيراً حاداً بسبب حملة المقاطعة لمنتجاته في جميع أنحاء أوروبا، أكبر أسواقه. ففي ألمانيا، أكبر سوق للبطاطا «الإسرائيلية»، توقفت شركة «ألدي» عن شراء البضائع «الإسرائيلية» أكثر من ستة أسابيع، حيث أشار المعلّبون إلى صعوبة بيع المنتجات الموسومة بـ«صُنع في إسرائيل». وأعلنت سلاسل تعاونية في إيطاليا والمملكة المتحدة وقف مبيعات المنتجات «الإسرائيلية». وفي خطوة رمزية، بدأت التعاونية الإيطالية (Co ـ op Italy) بيع «غزة كولا»، مع توجيه العائدات لإعادة بناء مستشفى في غزة. وأغلقت بلجيكا والسويد والنرويج وإيرلندا أسواقها فعلياً. فالنرويج لم تستورد كيلوغراماً واحداً من البضائع «الإسرائيلية» العام الماضي، وأدّى التطبيق الصارم لقوانين الاتحاد الأوروبي الخاصة بوضع بطاقات تعريف منشأ المنتجات في بلجيكا إلى رفض المستهلكين لمنتجات «إسرائيل» عن قصد.
هذه النتائج التي تقود القطاعات الاقتصادية في «اسرائيل» إلى عواقب وخيمة هي القشة التي تسند الخابية في الصراع مع هذا العدو المتغطرس، وحبذا لو أن حركة المقاطعة في العالم العربي توازي ما يجري في أوروبا ومن قبل الشعوب الأوروبية تحديداً.

