لم يكن مشروع تأجيج الصراع المذهبي/ العرقي في المشرق العربي وليد الساعة، بل هو نهج خفيّ وقديم امتازت به سياسة الدول الاستعمارية الكبرى، إلّا أنه بدأ يظهر على مسرح الأحداث بشكل جليّ خلال السنوات القليلة الماضية (بعد الاحتلال الأميركي للعراق 2003)، وأخطر ما في مشروع الصراع المذهبي/ العرقي الحالي هو عندما تتحوّل الورقة المذهبية والعرقية إلى أداة سهلة بيد الدول الاستعمارية وتدار من قبل المستَعمَر واعتبارها أداة طيّعة تستعملها القوى الكبرى متى شاءت وضدّ من تريد، وبما أن العراق ولبنان هما أكثر الدول تأثّرًا بتداعيات الأزمة السورية بحكم الجوار الجغرافي لها يتعين عليهما أن يتّخذا تدابير مشدّدة باتجاهين: الأول، تبنّي سياسة خارجية متزنة وحكيمة تأخذ بعين الاعتبار أهمية المرحلة وخطورة تداعياتها عليهما. والثاني، العمل على استقرار الجبهة الداخلية وتوحيد القوى السياسية، العراقية واللبنانية من أجل تفويت الفرصة وإفشال مخططات الأعداء.
ضمن هذا الواقع تشير الأحداث في منطقة بلاد الشام إلى أنها تسير بخطوات متسارعة نحو التصعيد فأصبحت بمثابة كرة ثلج متدحرجة تكبر شيئًا فشيئًا. فبعد أن شَهدت سوريا أحداثها الأخيرة، التي تمثلت بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من حلب وبعض المناطق الأخرى أمام تقدم قوات رئيس الحكومة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع، المدعوم أميركيًّا وتركيًّا، لا بدّ لدول المنطقة من قراءة جديدة ومتأنية للأحداث التي باتت قاب قوسين أو أدني من إحداث متغيّرات خطيرة قد تصيب المنطقة، وتمسّ كيانات ودول عديدة فيها، فبعد أن تخلّت أميركا عن «قسد» وتنصّلت من وعودها والتزاماتها الأمنية تجاهها، بدأ المشروع الأميركي في المنطقة يرسم ملامح الأحداث القادمة، إذ تشير التوقعات إلى أن رقعة الصراع قد تمتد لتشمل دولاً أخرى كانت يومًا ما تعد حليفةً لأميركا.
وكانت الولايات المتحدة وبحركة براغماتية خالية من المسؤولية الأخلاقية قد قررت إيقاف دعمها لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) واستثمار حالة الصراع الطائفي/ العرقي في المنطقة، وضبط إيقاع خطواتها على أنغام العزف التفتيتي من قبل التيارات الراديكالية المتشدّدة، التي جيء بها إلى سوريا عبر تركيا كبديل لنظام الأسد/ البعث المتحالف مع محور المقاومة والداعم للمسألة الفلسطينية، فبعد أن كانت هذه التيارات الإسلامية المتشدّدة بالأمس القريب تُصَنف على أنها مجاميع إرهابية ارتكبت جرائم ضدّ الإنسانية وجميع جرائمها موثّقة لدى الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان وعُدَّت بنظر القانون الدولي منظمات إرهابية متطرفة ومطلوبة دوليًّا واقليميًّا ويحظر التعامل معها، أصبحت بمنطق ميكيافيليّ خالٍ من القيم حليفًا مهمًّا لأميركا و«إسرائيل» التي تخلّى لها النظام السوري الجديد عن الجولان وجبل الشيخ.*
تذكّرنا تصريحات السفير الأميركي توم باراك تعليقًا على التطورات الدراماتيكية الأخيرة في المشهد السوري، أن الغرض من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، كقوة رئيسية لمكافحة تنظيم «داعش» على الأرض قد انتهى. وتابع قائلًا إن مبررات الشراكة الأميركية مع «قسد» تغيّرت الآن… تذكّرنا هذه التصريحات بمشهد مماثل حصل قبل حوالى خمسين عامًا، وتحديدًا في عام 1975، حينما تخلّت الولايات المتحدة الأميركية عن دعمها لأكراد العراق، بزعامة الراحل الملّا مصطفى البارزاني حينذاك، بعد أن هندست اتفاقية الجزائر بين نظام حزب البعث في بغداد، ونظام الشاه محمد رضا بهلوي في طهران، والتي تمّ بمقتضاها تنازل العراق عن جزء من أراضيه ومياهه لإيران مقابل قيام الأخيرة برفع اليد عن الأكراد، وكان وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر، هو مهندس اللقاء وإبرام الاتفاق بين صدّام وشاه إيران.
والملفت أن ما قاله المبعوث الأميركي باراك عن تخلّي واشنطن عن قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لم يختلف من حيث الجوهر والمضمون عمّا قاله كيسنجر للملّا البارزاني، حينما وجّه الأخير انتقادات حادّة ولاذعة للولايات المتحدة بسبب خذلانها للأكراد، فقد ردّ كيسنجر على البارزاني بـ«إننا لسنا منظمة تبشيرية، بل دولة لها مصالحها وحساباتها»، هذا الردّ الكيسنجري يذكّرنا بما قاله المفكّر أنطون سعادة في مقالته الموسومة بـ «سقوط الولايات المتحدة الأميركية من عالم الإنسانية الأدبي»، وذلك بعد موافقة واشنطن على الانتداب الفرنسي على بلادنا، ونشرت وقتها في مجلّة “المجلّة” في 1/5/1924.
فالولايات المتحدة الأميركية، مستعدّة للتخلي وخذلان كل أصدقائها وحلفائها وأتباعها متى ما اقتضت مصالحها ذلك، إلّا الكيان الصهيوني فإنّه خطّ أحمر، لا يجوز لأي رئيس أميركي إضعافه أو التخلّي عنه، تحت أيّ ظرف من الظروف.
في القرن السادس قبل الميلاد، كتب هيرقليطس: “إنَّ المرء لا يستطيع أن يستحم في ماء النهر الواحد مرتين، لأنَّ مياهاً جديدة تجري من حوله أبداً» … نعم، إنها السياسة، والذي لا يجيد السباحة في مياهها العميقة سيغرق ويُغرق معه الكثيرين، وهذا ما حصل كثيرًا في عالمنا وما زال يحصل… للأسف!
ندرك أنه في الحروب، تُستخدم إلى جانب الأسلحة العسكرية مختلف الأساليب غير القتالية، التي يحاول من خلالها كل طرف تحطيم معنويات عدوّه، ليعبّد الطريق للانتصار عليه؛ لأن هبوط المعنويات يجعل المحارب تحت ضغط الشعور بلا جدوى المواجهة، فيحصل الانكسار النفسي فالهزيمة.
الشيء المثير في هذه اللعبة القديمة/ الجديدة هو أن الذي يقف وراء خراب حياة الشعوب، غالبًا ما يطرح نفسه المنقذ لها بعد أن يجهز على خصمه أو منافسه السياسي فيها، ويستثمر فيما بعد الفائض العاطفي الذي تفرزه مرحلة العناء والجوع لتشويه هذا الخصم المهزوم وتحميله كامل المسؤولية عمّا حصل…
ولعلّ أخطر ما في عالم بلا قواعد، ليس الفوضى الآنية، بل اعتيادها، حين تتطبّع الدول مع خرق القانون، وتُكافأ القوّة على حساب الشرعية، يصبح الانهيار الأخلاقي مقدّمة لانهيار سياسي واقتصادي أوسع. من هنا، لا تبدو دعوة ماكرون حنينًا إلى نظام قديم، بقدر ما هي إنذار مبكّر: فالعالم الذي يديره الرئيس الأميركي دونالد ترامب بلا قواعد، لا يمكن التنبّؤ بمالاته، ولا ضمان أمنه، ولا حماية مستقبله.
إذً، يجب على بعض القيادات في «قسد» الاعتراف بإخفاقاتها فيما بينها أو بطريقة إدارتها للسلطة في أماكن سيطرتها. ورغم معرفتنا بذلك فإن الاعتراف بالأزمة شيء وفهم الأزمة شيء آخر.

