ما يجري اليوم بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) لا يمكن اختزاله بخلاف إداري أو أمني، ولا حتى بوصفه صراعًا على الصلاحيات أو الموارد. نحن أمام مواجهة أعمق تمس جوهر الدولة السورية نفسها:
هل سوريا دولة واحدة ذات سيادة، أم مساحة مفتوحة لإدارات أمر واقع تُدار من الخارج وتُسوَّق بخطاب محلي؟
أولًا: قسد… من تحالف عسكري ظرفي إلى كيان أمر واقع
نشأت قسد عام 2015 في سياق الحرب على تنظيم «داعش»، برعاية أميركية مباشرة، كتحالف عسكري متعدّد العناوين، لكن عموده الفقري الحقيقي بقي وحدات حماية الشعب المرتبطة فكريًا وتنظيميًا بحزب العمال الكردستاني.
ومع انحسار «داعش»، لم تتحوّل قسد إلى قوة وطنية جامعة، بل إلى سلطة أمر واقع تسعى لتكريس نفسها سياسيًا خارج أي تفويض وطني.
ورغم الخطاب عن «الإدارة الذاتية» و«التعددية»، تكشف بنيتها الداخلية عن:
مركزية قرار أمني وعسكري مغلق
تمثيل شكلي للمكوّنات العربية
غياب آليات ديمقراطية حقيقية في صناعة القرار
ثانيًا: الدولة السورية… سيادة منقوصة وأزمة ثقة
في المقابل، تطالب الدولة السورية باستعادة سيادتها على كامل الجغرافيا، وهو مطلب مشروع من حيث المبدأ، لكنها تصطدم بواقع:
إنهاك مؤسساتي عميق
أزمة ثقة متراكمة مع مجتمعات الأطراف
غياب نموذج سياسي جاذب يعيد دمج المناطق الخارجة عن السيطرة
وهكذا يتقاطع الفراغ مع الوصاية، ويدفع المجتمع الثمن.
ثالثًا: قسد في مرآة المجتمع ـ سقوط الشرعية من الداخل
بعيدًا عن الخطاب الإعلامي، تكشف شهادات من الرقة ودير الزور والحسكة واقعًا مختلفًا:
1. شراكة قسرية لا تمثيل حقيقي
المشاركة المحلية شكلية، بينما القرار الحقيقي أمني واقتصادي مركزي، وأي اعتراض يُواجَه بتهمة «الإخلال بالأمن».
2. قمع مقنّع باسم الإدارة
اعتقالات تعسفية، تضييق على الإعلام المستقل، وفرض مناهج أيديولوجية لا تعبّر عن الذاكرة الوطنية السورية.
«تغيّرت الشعارات، لكن منطق الفرض بقي نفسه.»
3. التجنيد الإجباري… القطيعة الكبرى
حملات دهم، هروب جماعي للشباب، واحتجاجات عشائرية متكررة، جعلت قسد تُرى كـ سلطة مفروضة بالقوة لا كقوة حماية.
4. اقتصاد بلا تنمية
رغم السيطرة على النفط والزراعة، يعيش السكان فقرًا متزايدًا وخدمات متدهورة، فيما تُدار الموارد خارج أي رقابة مجتمعية.
رابعًا: البعد الدولي ـ سوريا كساحة لا كدولة
الولايات المتحدة تستخدم قسد كورقة ضغط
تركيا ترفضها لكنها لا تريد دولة سورية قوية
روسيا تدعم الدولة وفق حسابات نفوذ
والنتيجة: تجميد سياسي طويل الأمد يستنزف الجميع.
خامسًا: نزع الشرعية… خلاصة لا مفر منها
الشرعية لا تُستمد من الدعم الدولي، بل من قبول المجتمع.
وقسد اليوم:
بلا تفويض وطني
بلا إجماع اجتماعي
وبلا مشروع قابل للحياة خارج الوصاية الأجنبية
سادسًا: الاندماج في إطار الدولة القومية… لا كيانات داخل الكيان
من منظور الدولة القومية، لا شرعية لأي قوة أو إدارة خارج إرادة الأمة.
فالاندماج الحقيقي لقسد لا يكون إلا:
ضمن دولة واحدة، قانون واحد، وسلاح واحد
مع تفكيك بنيتها العسكرية والأمنية المستقلة
وصون الحقوق الثقافية كمواطنة، لا كمحاصصة أو امتياز
أما أي صيغة تُبقي السلاح خارج الدولة، فهي تقنين للأمر الواقع لا حلًا وطنيًا.
خاتمة: الدولة القومية أو دوام التفكك
الصراع بين الدولة وقسد هو تعبير عن أزمة سوريا العميقة:
دولة لم تُنجز تحوّلها الوطني، وسلطات أمر واقع نشأت في فراغها وارتهنت للخارج.
ولا حلّ في شرعنة التفكك، ولا في إعادة إنتاج الماضي، بل في بناء الدولة القومية السورية:
دولة مواطنين، سيادة واحدة، وإرادة وطنية مستقلة.
وكما قال أنطون سعادة:
«إن حياة الأمة هي في وحدتها، وموتها في تفتتها.»
إبراهيم الدن

