توريث العنف

سؤال قد يبدو غرائبياً، ولكنه ليس فائضُ عن الحاجة، بل هناك ضرورات للنظر فيه، وتكرار النظر والتمحيص، فالعنف ليس ظاهرة عابرة، أو مرض اجتماعي تجب معالجته، بل هو واحد من قوانين الطبيعة، التي يجب ترويضها وتقنينها، حسب المصالح المجتمعية في الآوان والعصر، ولعل احتكار الدولة للعنف، هو بداية الطريق، لممارسة هذا الترويض والتحكم، مثله مثل، ترويض باقي القوانين الطبيعية التي مارس الإنسان منذ الأزل ترويضها، كالبرد، والفيضان، إلخ، فالطبيعة وقوانينها لا تعبأ بوجود الكائنات الحية، وهي تمارس عنفها دون إذن من أحد، لذلك تبدو أداءاتها وحشية وهمجية، وليس لها وعي بالمصالح، بمعنى أن الطبيعة لا قيّم لها من هذا المنظور البشري (حصراً)، لسبب وحيد هو أنها غير خاضعة للسؤال، والمساءلة، وهذا هو الفارق الجوهري بين الطبيعة والكائنات «العاقلة»، فلا أحد يستطيع مساءلة الطبيعة عن زلزال أز فيضان أو إعصار، بينما يمكن مساءلة الكائن «العاقل» على عنفه، وهنا لا يمكن مقارنة «الدولة» بالطبيعة، فالدولة كتكنولوجيا مرتبطة بقيم الكائن العاقل، لذلك توضع الدساتير والقوانين والشرائع، لضبط الخروج عن القيّم وتجريمه والمحاسبة عليه، وإلا تحولت الدولة إلى «طبيعة» تحكم بما هو دون الغرائز، في محاولة معكوسة تقصد منها ترويض البشر، وليس العكس، وهذا ما يجعل ممارساتها قابلة للتكرار أي التوريث، وهذا خطر يجب تجنبه في الاجتماعات البشرية «العاقلة»، ليس لإن العنف قتال بطبعه فقط، لتصبح الدولة قتالة بطبعها وأيضاً فقط، بل لإن متوالية العنف ولاّدة بصور وطرائق لا نهائية، لتبدو الدساتير والقوانين وكأنها العامل الحاسم لوقف هذه المتوالية المؤلمة والمُفنية لمنتجات العقل، وعند الدساتير والقوانين وطريقة قراءتها، تبدو الدولة متواطئة ( قليلاً أو كثيراً) مع الطبيعة وقوانينها الهمجية، (مثل حكم الإعدام مثلاً).

والعنف، في أحد تعريفاته، هو إجبار الآخر على الخضوع بالتلويح بعنف أعلى منه، إن كان على الصعيد الرمزي، أو الفيزيائي، وهنا يتحقق الاستبدال بين الرمزي والفيزيائي، على أن يبقى باب الاستبدال مفتوحاً بينهما، فالفساد عنف رمزي قد يتحول إلى عنف فيزيائي ببساطة في حالة عدم الخضوع له، ولدينا نحن أبناء الكيانات السورية «المستقلة»، ملايين الأمثلة والحوادث (من رجال الجمارك، إلى أصغر شرطي مرور، ناهيك عن الأفحش رمزياً وفيزيائياً)، عن ممارسات العنف اليومية التي نعرض بعضنا لها، عبر وسيط الدولة، التي توزع العنف كبطاقات تموينية حسب العزوة والمكانة وربما المصادفة، في محاولة لبعثرة العنف المقنن الخاضع للمساءلة، حيث تشرك الشعب به لتوزيع سجاياه على القبائل، حيث يذوب المسؤول عنه في سوق مغرّقة ببضائع العنف، وهذا ما يفسر ( نفسياً على الأقل) ظاهرة التوريث في السياسة والمناصب وحتى في الفن، التي ينبني عليها حرف ومهن أساسية في الحياة الواقعية، كلها تضع الجميع أمام حلول عنفيه أقل أثراً، فالمحامي الفاسد، يخضعه ناطور بناية يقطع عن شقته الماء، فيضطر لرشوته، وكذلك شرطي المرور، أو موظف الضرائب. إلخ، حيث تبدو هذه المهن القابلة للتوريث، كعلاقة حضارية بين أعضاء الاجتماع البشري «العاقل»، فالرشوة هي عنف صرف باستخدام القانون المقروء بلا تحضر، وكسر من أسرار المهنة، وقد صنعت هذه الرشوات ثروات طائلة، تتجاوز أي فعل صناعي أو تجاري أو ابتكاري، وتأسس لها مؤسسات وطنية يشتغل فيها عمال يتحينون الفرصة كي يقفزوا إلى مراتب المرتشين، وهذه ليست قصص خيالية بل واقعية للغاية، وكلها تحمل في طياتها عنف مبرم وواقعي، في حال الإصرار على تطبيق القانون، أو في حال إفشاء الفساد، حتى لو كان بالأدلة والإثباتات.

التهديد بالعنف الرمزي، ومن ثم ممارسته والاستفادة منه، يفتح الباب أمام العنف الفيزيائي، لإنه يضعك أمام نفس احتمالات العنف الرمزي من ناحية المساءلة، فأية جريمة عنفية مهما كانت كبرى يمكن تجاوزها بمحام فاسد و قاض مستفيد، هذا في حال الضبط، أو يمكن تجاوزها بواسطة سياسي فاسد أو صاحب نفوذ متمكن، بطرق قانونية كاملة الأهلية، ومن هذا الباب يدخل توريث العنف، فقتل المتظاهرين أو المعارضين (سياسيين أو اقتصاديين وحتى صحفيين أو مفكرين)، يتحول إلى جنحة تدخين في الأماكن العامة في حال الضبط والمساءلة، أما في الحالات العادية فكأن شيئاً لم يكن، وهناك قوانين تدعم العنف وتبرئ مقترفيه حتى قبل أن يقوموا بأفعالهم.

العنف ليس ظاهرة في تجمعاتنا السكانية، بل جين ثقافي نتوارثه، كوسيلة تفاهم سهلة، تلغي الآخر وينتهي النقاش، إنه احتكار غير عاقل للحقيقة، التي تفقد كل معيار عند تنفيذ العنف، ولا يبقى «للدولة» إلا فتات الذرائع التي تبرره، ومع هذا يتعمم ويتمدد في ظلالها، هي التي أنوجدت بالأساس كي تحتكره، كي تجمع الضرائب، وتخدم بأموال هذه الضرائب، الناس المجتمعة في المكان، حتى لو لم يكونوا مجتمعاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *