لم تعد السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكانية مجرّد امتداد للإمبريالية التقليدية القائمة على النفوذ غير المباشر، بل باتت، وفق الوقائع والشواهد المتراكمة، انتقالًا واضحًا إلى منطق الإمبراطورية الصريحة، حيث تُدار الجغرافيا والشعوب والثروات بعقلية الملكية والضمّ، لا بعقلية الشراكة أو التوازن الدولي. هذا التحول لا ينعكس فقط في الخطاب، بل يتجسد في الأفعال، ويطال العالم بأسره، مع تركيز خاص على عالمنا العربي.
انتقلت الولايات المتحدة الأمريكانية من السياسة الإمبريالية، التي تقوم على السيطرة السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية غير المباشرة، إلى سياسة الإمبراطورية التي تُعرَّف بأنها دولة أو نظام حكم يسيطر بصورة مباشرة على أقاليم وشعوب متعددة، ويضمّها إداريًا تحت سلطة مركزية واحدة.
ومن أبرز معالم هذا التحول: وجود أراضٍ غير أمريكانية خاضعة رسميًا لها، إدارة مباشرة للأقاليم، وسيطرة سياسية وقانونية واضحة، وتبقى غزة خير مثال على هذا النمط من الهيمنة.
الشواهد على هذا التحول كثيرة ومتنوعة، تبدأ بتصريحات الرئيس ترامب حول ضم كندا، مرورًا بإعلانه جنوب لبنان منطقة اقتصادية ترامبية، ومطالبته الدولة الدنماركية بالتنازل عن غرينلاند لصالح الولايات المتحدة الأمريكانية، ولا تنتهي عند خطف الرئيس الفنزويلي وزوجته، وإعلانه أن النفط الفنزويلي بات في إدارة الشركات الأمريكانية. هذه الوقائع مجتمعة تكشف أن السياسة الخارجية الأمريكانية لم تعد تكتفي بالإمبريالية، بل تجاوزتها إلى ممارسة إمبراطورية فظة، تدوس القيم والأخلاق الإنسانية.
وهذا التوصيف لا ينطوي على أي تجنٍّ، فالولايات المتحدة مارست هذا السلوك في الماضي القريب حين منحت القدس والجولان للعدو اليهودي، وتصرفت كمالك لهما.. هكذا تتصرف الدولة الإمبراطورية بقيادة ترامب، متجهة نحو ضم مفاصل استراتيجية من الكرة الأرضية، والتعامل معها كممتلكات خاصة، يُمنع أصحابها الشرعيون من التصرف بها، لأن القرار النهائي يعود للإمبراطور وحده، ولأن أي جغرافيا غنية بالموارد الطبيعية يجب أن تكون تحت قبضته.
الدول التي شاركت الولايات المتحدة مشاريع الاستعمار في السابق بدت اليوم مصدومة، وبدأت بإعادة حساباتها بعد شراكة امتدت قرابة ثمانين عامًا. فقد كانت راضية بحصتها من النظام العالمي، ومطمئنة إلى القوانين الدولية التي رعَت مصالحها لعقود. إلا أن النزعة العدوانية التي يمارسها الرئيس الأميركاني دفعت الأمم الأوروبية، الحليفة الأساسية له، إلى التفكير بحماية نفسها من الولايات المتحدة ذاتها، بدل الاعتماد عليها. ورغم أن هذه الدول لا تمتلك قدرة الولايات المتحدة الأميركانية، فإنها أمم وازنة، تمتلك دفاعًا استراتيجيًا، وفي مقدمته السلاح النووي، وتعتقد أنها قادرة على الدفاع عن نفسها.
في المقابل، يقف العالم العربي في موقع الضعف، مصنّفًا ضمن دول العالم الثالث، مفتقرًا إلى أدنى مقومات الدفاع عن النفس، وممزقة أممه، فيما تتصاعد نيران الحروب في معظم دوله. وصانع هذه النيران واضح: الأميركاني وشريكه اليهودي. فدول العالم العربي خاضعة للإرادة الأمريكانية، حتى باتت السياسات المحلية تُدار وفق المشيئة الأمريكانية، ويعمل قادتها وفق ما يقرره الإمبراطور ترامب أو من يمثله. وتُعيَّن الرؤساء والحكومات والمدراء العامون وسائر مفاصل السلطة تحت غطاء الصداقة، وبذريعة أن الولايات المتحدة الأميركانية هي الحامية وسبب البقاء لهذه الدول وحكامها.
اليوم، يهدد الإمبراطور الأميركاني الدولة الإيرانية، ويهدد الوجود السوري برمته. والمفارقة أن عمر الأمة السورية والأمة الإيرانية يفوق عمر الوجود الأميركاني بآلاف السنين. وفي هذا السياق، يُقدَّم نتنياهو ومن يخلفه بوصفهم الحكّام الفعليين للعالم العربي الجديد من وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكانية، وما الاتفاقية الإبراهيمية إلا الإطار السياسي لهذه الهيمنة الاستعمارية الجديدة.
وعلى المستوى الدولي، لا تزال أربع دول خارج منظومة الإمبراطورية الأمريكانية: الصين، وروسيا وكوريا وإيران. غير أن المعركة الأساسية تبقى مع العملاق الصيني، إذ إن أي مواجهة معه تتطلب إضعاف حلفائه الثلاثة. وقد بدأت الولايات المتحدة هذا المسار عبر الحرب على روسيا بواسطة أوكرانيا، وتشديد الحصار الاقتصادي وغير الاقتصادي على كوريا، فيما يتطلب تثبيت الهيمنة على العالم العربي والخليج، وسورية بشكل خاص، إسقاط النظام في إيران. ويعتقد الإمبراطور ترامب والوالي التابع له نتنياهو أن الظروف باتت مواتية لتحقيق هذا الهدف.
منذ سقوط الشاه، تعمل الولايات المتحدة الأمريكانية وحلفاؤها على إخضاع إيران عبر الحصار والعقوبات، وصولًا إلى استهداف ركائز الدولة الإيرانية. ورغم قسوة الضربات، لم تسقط إيران، بل أظهر شعبها صلابة في الدفاع عن حقوقه وسيادته، واعتصم بوحدته الوطنية. وحتى عندما حاولت الإمبراطورية الأميركانية إحياء النعرات المذهبية والإثنية، تصدت لها الحكومة الشرعية وأحبطت محاولات الفوضى.
ويبقى السؤال مطروحًا في الوطن السوري: هل ننقاد إلى العبودية التوراتية التي تنظر إلينا باحتقار؟ وماذا ينتظر العالم العربي الضعيف غير هذا المصير؟ ففي ظل العقلية الإمبراطورية، لن ينعم العالم العربي بخيراته، ولا سيما الخليج. ومن يمنع الإمبراطور الأميركاني إذا قرر أن النفط الخليجي وسائر الموارد الطبيعية يجب أن تخضع لمشيئته؟ وفنزويلا شاهد حديث على هذا السلوك.
إن العقلانية والمصلحة المشتركة تفرضان على حكام العالم العربي، وخصوصًا حكام الخليج، الوقوف إلى جانب إيران وضم قدراتهم إلى قدراتها لمنع إضعافها. أما في الدول السورية، فالمطلوب الكف عن الانجراف في المشروع الأميركاني واليهودي، والتخلي عن السخافات السياسية المحلية الضيقة التي تمزق الشعب، وربط مصالح البلاد بأي مشروع مقاوم.
إن الموضوعية والواقعية السياسية تفرضان اعتبار إيران الحليف الاستراتيجي الأجدى لمواجهة المشروع الأميركاني واليهودي وكبح اندفاعه، لأن تحالفنا معها يشكل قاعدة صلبة للحفاظ على الوجود وصون الثروات. ولا مبالغة في القول إن قوة إيران الممانعة تشكّل عامل ردع حقيقي يحد من أطماع الحركة اليهودية والمشروع الأميركاني في بلادنا مع الأمل بتغيير الحكام الفاسدين

