هل بدأ الانهيار الأميركي في مغادرة العلماء والباحثين لها بسبب دونالد ترامب؟

يبدو أن الرئيس االأميركي دونالد ترامب تعهد جعل الحياة اليومية للأميركيين والوافدين وممنوحي الجنسية صعبة ومتعثرة. آخر إنجازاته تمثلت في تجميد آلاف المنح البحثية أو إلغائها. وقد انخفضت مع إدارته الميزانيات الممنوحة للبحث العلمي واشتدت الضغوط السياسية، وتعرضت الحريات الأكاديمية للمساءلة.

نتيجة هذه الأوضاع غادر العديد من الباحثين والأساتذة والعلماء الولايات المتحدة في عهد ترامب ليلجأوا إلى كندا وأوروبا بسبب انتشار مخاوف من انزلاق الولايات المتحدة نحو نظام استبدادي مغلف بواجهة الديمقراطية المزيفة. هذه الأسباب جعلت هجرة الأدمغة من الولايات المتحدة واقعاً جلياً، استفادت منه كندا، فنظمت مدن كندية عدة حملات وبرامج وخططاً لاستقبال علماء وباحثين دوليين.

الأسباب الرئيسية لهجرة العلماء من الولايات المتحدة تشمل التخفيضات الكبيرة في التمويل الفدرالي، مثل تجميد منح المعاهد الوطنية للصحة، والتسريحات الجماعية التي جعلت آلاف العلماء عاطلين عن العمل، والتدخل المتزايد الذي أدى إلى إغلاق مشاريع في مجالات مثل علوم المناخ، والصحة العامة، ومبادرات التنوع.

وبسبب الحاجة للعمل بحرية بمأمن من هجمات البيت الأبيض على البحث والمؤسسات الديمقراطية، هاجر عدد غير مسبوق من الباحثين والأكاديميين، أو يسعون إلى الهجرة من الولايات المتحدة نحو أوروبا وكندا. لقد عمدت إدارة ترامب إلى خفض أكثر من أربع مليارات دولار من الميزانية، ما أدى إلى إلحاق أضرار لا يستهان بها في المجالات البحثية. وبالتالي بات الوضع محبطاً جداً. حتى الذين لم تُلغ أو تعلّق منحهم يعانون من النتائج. كثير من هذه المنح تمول أنشطة أخرى في الجامعات. وهذا ترتب عنه تداعيات على الجميع وأدى أيضاً إلى انخفاض في التسجيل في الدراسات العليا. مثّل ذلك مشكلة حقيقية للطلاب الذين تقدموا لدراسات عليا هذه السنة فكان لذلك تأثير حقيقي على مستقبل الجيل الأكاديمي الجديد. ويرى علماء أن الضغوط المتزايدة على الحرية الأكاديمية والنشاط الاحتجاجي في الولايات المتحدة الأميركية تُشكّل تحديات غير مرغوب فيها لقيمهم، وإذا ما وجدوا بدائل لعيش حياتهم في بيئة وطنية أكثر ملاءمة، فسيغتنمون الفرص.

وتفيد تقارير صحفية بأن هناك تراجع في البحث عبر العالم نظراً لهيمنة الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية في الحياة العلمية العالمية. وإزاء اجراءات ترامب في هذا الشأن، قامت كندا بالتحرك فأُطلقت حملات استقطاب العقول الأميركية. فمدينة مونتريال، وهي ثاني كبريات المدن الكندية، تحتضن أربع جامعات دولية تتلقى عدداً كبيراً من طلبات المهندسين والباحثين في الرياضيات، ومختصين في العلاقات الدولية. العديد منهم لديهم سنوات خبرة عديدة وليسوا خريجين جدد. واستجابة لتخفيضات التمويل الأخيرة في الولايات المتحدة، أطلقت جامعة كوينز الكندية مبادرة خاصة لاستقطاب طلاب الدكتوراه الأميركيين، تُقدّم هذه المبادرة الدعم لعشرين طالب دكتوراه ألغيت عروضهم من أفضل الجامعات الأميركية، أو يُعيدون النظر في قبولهم بجامعة أميركية للعام الدراسي 2026/2025. واستناداً إلى استبيان أجرته المجلة العلمية Nature في آذار 2025 يفكر ثلاثة باحثين من كل أربعة في مغادرة الولايات المتحدة إذا استمرت إدارة ترامب في خفض الميزانيات.

الدول الأوروبية تحركت من جهتها، فأعلنت جامعات فرنسية هذا العام عن برنامج علمي لاستقبال العلماء الأميركيين.  بلغ عدد العلماء الأميركيين المتقدمين بعد 3 أسابيع فقط من إطلاق هذا البرنامج ما يقرب من 300. وكانت فرنسا من بين أكثر الدول استقبالاً للعلماء المغادرين للولايات المتحدة وتسهيل إجراءات انتقالهم إلى فرنسا، وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن الحكومة ستخصص 100 مليون يورو لجذب الباحثين الدوليين، واصفاً خفض التمويل في الولايات المتحدة بأنه «خطأ فادح«.

ومن المُقرر أيضا أن يستثمر برنامج «اختر أوروبا للعلوم» المُنشأ حديثاً، 500 مليون يورو ابتداءً من الوقت الحالي وحتى عام 2027 لجذب الباحثين في مختلف المراحل المهنية. كما تتميز هولندا وألمانيا ببنية تحتية بحثية متينة، ومنح تنافسية، ومعاهد عالمية المستوى مثل جمعية ماكس بلانك. وتُوفّر أستراليا الاستقرار في مجالات مثل البحوث البيئية والطبية. الصين من جهتها تُكثّف جهودها في التوظيف بحوافز مالية سخية وبرامج مدعومة حكومياً في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والفيزياء.

ويبدو أن كندا والدول الإسكندنافية وكوريا الجنوبية وماليزيا، وربما أيرلندا واليابان وغيرها، قد تكون وجهات جذابة للعلماء المهاجرين. فثمة أسباب تدفع إلى هجرة العلماء والباحثين من جهة، وهناك أسباب لا تشجع على توجه الباحثين إلى أميركا، لعل أبرزها التعقيدات المرتبطة حالياً بالحصول على تأشيرة أميركية، والشكوك المحيطة بوضع المقيمين الأميركيين غير المولودين في الولايات المتحدة، وحتى حاملي البطاقة الخضراء والمواطنين المجنسين. وفي ظل هذه الظروف، وفي حال كانت البدائل متاحة، لا بد أن يفكر العلماء والباحثون بمغادرة الولايات المتحدة، أو على العكس عدم التوجه إليها. ومن شأن استنزاف الكفاءات المهمة وهجرة العلماء، إضعاف الريادة العالمية للولايات المتحدة في مجال العلوم والابتكار، وتراجع إنتاج البحث، وإضعاف المؤسسات، وتقليل القدرة على تحقيق إنجازات علمية. وهذه أمور لطالما تمتعت وتفوقت بها الولايات المتحدة على باقي دول العالم.

ويحذر المعنيون من أن هجرة الباحثين والعلماء سيعزز قوة منافسي الولايات المتحدة مثل الصين وكندا وألمانيا. وعلى المدى البعيد، ستكون لها عواقب مثل انخفاض النمو الاقتصادي، وقلة الوظائف في قطاع التكنولوجيا المتقدمة، وتشويه السمعة. وهذا الوضع قد يُمثّل تحدياً خطيراً لمكانة أميركا العلمية وقدرتها التنافسية.

من الأهمية بكان التذكير بأن قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الهجرة ليست جديدة، ففي عام 2017، (فترة ولاية ترامب الأولى) وقّع أمراً تنفيذياً يقترح تعليقاً لمدة 90 يوماً للتأشيرات ومزايا الهجرة الأخرى لجميع مواطني إيران والعراق وسوريا والسودان واليمن وليبيا والصومال. يومها حذّرت رسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 7000 أكاديمي، بينهم 43 حائزاً على جائزة نوبل، من أن سياسات ترامب تضر بشكل كبير بالريادة الأميركية في التعليم العالي والبحث العلمي، ووصفت الرسالة وقتها ما يفعله بأنه «لا إنساني، وغير فعّال».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *