لم يمر على الاعلان عن الاتفاق بين دمشق و«قسد» إلا ساعات حتى أنفجر الوضع بتدرج خطير بين فصائل متطرفة تابعة للاستخبارات العسكرية التركية على مناطق يسكنها الأكراد في عين عرب وقراها، حيث اندلعت مواجهات مسلحة بين بين تلك الفصائل وقوات سوريا الديمقراطية، وأعلنت «قسد» النفير العام، ودخل على خط التعبئة أحد أخطر الشخصيات العسكرية الكردية وهو القائد العام لقوات الدفاع الشعبي، الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني، «مراد قره يلان» الذي أكد أن قواته ستدافع عن «روج آفا بأي ثمن» (منطقة الجزيرة ـ (محافظة الحسكة)، في ظل ما وصفه بتصاعد التهديدات العسكرية التي تستهدف مناطق شمال وشرق سوريا، وهو ما دفع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع للاتصال بالرئيس الأميركي دونالد ترامب لتقديم شكوى بحق قائد «قسد» مظلوم عبدي.
وكانت خارطة السيطرة العسكرية في الشمال السوري قد شهدت تبدلات جوهرية، تمثلت في انتقال مساحات واسعة من نفوذ «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) إلى سيطرة القوات الحكومية، كنتيجة طبيعية لرفع الغطاء عن «قسد» وإنها طموحها في الحكم الذاتي.
وتأتي هذه التطورات الميدانية لتعيد رسم موازين القوى في منطقة حوض الفرات وريف حلب، وسط متغيرات سياسية وعسكرية متسارعة كشفت تخلي الإدارة الأميركية عن حليفتها «قسد» وتقديمها على طبق من ذهب لتركيا بهدف كسب وتأييد أنقرة للعدوان على إيران في مرحلة لاحقة، وقد جاء انسحاب القوات الأميركية من قاعدة «عين الأسد» العراقية، في حين تمددت القوات العراقية على الحدود مع سوريا، رغم أن قرار الانسحاب كان مقررًا منذ ثلاث سنوات وقد نفذ الآن في إطار الترتيبات الأميركية للعدوان على إيران. وكانت «عين الأسد» تعتبر كنقطة ربط وسطية بين طهران وبغداد ودمشق وبيروت، قبل سقوط سقوط نظام البعث.
اللحظة التاريخية
التجربة السياسية الحديثة اثبتت أن الكرد، لا يمكن لهم قياس أداؤهم السياسي بالهوية أو اللغة، بل بقدرتهم على قراءة اللحظة التاريخية، والتكيف معها، أو بعبارة أوضح اقتناصها. ينجحون حين يحسنون تقدير موازين القوى، ويفشلون حين يخلطون بين الطموح، والحلم غير القابل للتحقق. السياسة ليست حقلًا للأماني، بل فن لإدارة تحقيق الأغراض الوطنية.
ولعل استفتاء الاستقلال عام 2017 لـ «إقليم كردستان/ العراق» يجب أن يشكل نموذجا لـ «قسد» للاقتداء بتجربته. ذلك الاستفتاء كشف الوجه الآخر لسوء تقدير اللحظة من قبل السيد مسعود البرزاني. لقد تجاهلت حينها قيادة الإقليم كل التحذيرات، وذهبت إلى استفتاء تعلم مسبقًا أنه غير قابل للتنفيذ. لم توافق عليه بغداد، ولم يقبله المجتمع الدولي، ولم تدعمه القوى الإقليمية، بما فيها تلك التي كانت توصف بأنها حليفة. حتى الدولة العراقية الوليدة، بكل هشاشتها، رفضت المسار. وكانت النتيجة خسارة سياسية واضحة، وتراجعًا في النفوذ، وضياعًا لجزء من المكاسب التي تحققت عبر سنوات من العمل التراكمي. كانت تلك لحظة كلاسيكية لتفويت الفرص، حين يُستبدل العقل السياسي بالرغبة العاطفية.
والآن لا تركيا قابلة، لأسبابها الاستراتيجية المعروفة، بقيام كيان كردي مستقل في سوريا، ولا المجتمع الدولي مستعد للدخول في مغامرة اعتراف وحماية لكيان هشّ. التجربة العراقية نفسها دليل واضح، إذا كان استفتاء الاستقلال قد فشل في العراق، فكيف يمكن تخيل نجاح مسار مشابه وبقوة السلاح، في سوريا الأكثر تعقيدًا وتشابكًا؟
اليوم تعكس الصورة المضطربة والمرتبكة جدًا لسوريا في ظل حكم جبهة النصرة المدعوم دوليًا وإقليميًا، عمق أزمة هذا البلد، في خضم تجاذبات وتقاطعات داخلية وخارجية خطيرة ومقلقة للغاية.
فالتجربة الاقصائية، التي تنفذها وتديرها اجهزة ومؤسسات السلطة العسكرية والأمنية، ومعها الفصائل والجماعات المتطرفة والمتماهية مع أصحاب القرار التركي، تعكس أن ما جرى ويجري في الشارع السوري، سواء في المناطق ذات الأغلبية العلوية، أو ذات الأغلبية الدرزية أو حيث يتواجد الأكراد، يؤشر إلى أن الأمور ذاهبة نحو حروب أهلية بعناوين ومسميات طائفية ومذهبية وقومية، أكثر من اتجاهها نحو وحدة الحياة والتفاعل والتآلف والانسجام، مما يجعل تحقيق وحدة التراب السوري أمرًا معقدًا ويحتاج إلى إدارة دقيقة للتوازن بين القوى المحلية والدولية. فالقوى الدولية الكبرى، مثل الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، تختلف وتتقاطع في مصالحها وحساباتها وأجنداتها وأولوياتها في سوريا وعموم المنطقة. والقوى الإقليمية، مثل تركيا وإيران والسعودية والامارات وقطر ومصر، كما هي مختلفة ومتصارعة في ساحات مختلفة، كالساحة اللبنانية والساحة الليبية والساحة اليمنية والساحة السودانية، فإنها من الطبيعي ان تختلف وتتصارع في الساحة السورية، وربما بدرجة أكبر، ارتباطًا بحقائق جيوبولوتیكية، وتراكمات سياسية وتاريخية طويلة، ناهيك عن طبيعة عقيدة ومنهجية وإرث السلطة الحاكمة ذات الجذور الارهابية التكفيرية.
الشرع يشتكي «قسد» لترامب
يكشف الاتصال بين الشرع وترامب، هرولة سلطة دمشق نحو واشنطن وتل ابيب، وتقديمها وتخليها عن الجولان وجبل الشيخ وبلا ثمن، وفتحها الابواب على مصاريعها للكيان، يمكن له أن يعمق المشكلات ويرفع منسوب الفوضى والاضطرابات والتوترات، ويزرع الكثير من الالغام الموقوتة، بدلًا من أن يفضي إلى الاستقرار والامن والازدهار. وثمة من يعتقد أن تلك الهرولة السورية المتسارعة نحو واشنطن وتل ابيب، والاندفاع غير المحسوب، من شأنه ان يحول دون بلورة هوية سياسية وطنية واضحة بمواقف، وثوابت ومسارات صائبة ومثمرة وأكثر من ذلك، يمكن ان يزيد من مآزق السلطة الحاكمة ويعجل في انهيارها.
نقول، يمكن أن تكون السلطة الحاكمة في دمشق جزءًا من الحل، ويمكن في الوقت ذاته، أن تكون جزءًا من المشكلة، وهذا يتوقف على جملة عوامل، لعل من بينها، طبيعة توجهات ونوايا أركان وأصحاب الحكم وطريقة أدائهم ومدى استعدادهم لاستيعاب مظاهر التنوع السياسي والديني والمذهبي والثقافي والاجتماعي، بعيداً عن عقد الماضي ونزعات الثأر والانتقام والوقوع بفخ إرضاء هذا الطرف على حساب الطرف الآخر…
ولكن تبقى الأسئلة التي يطرحها المراقبين: هل الشرع هو الحاكم الوحيد لسوريا؟ وكيف له أن يتحرر من الفصائل غير السورية المتطرفة والتابعة للاستخبارات العسكرية التركية، التي حاولت اغتياله في القصر الجمهوري؟
قد يكون المستقبل القريب قادرًا للإجابة على هذه التساؤلات قبل انفجار الوضع في مناطق متعددة في سوريا ستجعل البلد في مهب الريح.
نظام مارديني

