المصالحة الوطنية في سوريا بين عدالة الدولة وفوضى الثأر

قراءة في ضوء فكر أنطون سعادة وتجارب الأمم

بعد سقوط نظام الاستبداد في سوريا، لا يكمن الخطر الأكبر في الفراغ السياسي وحده، بل في الفراغ الأخلاقي والفكري الذي قد يحوّل لحظة التحرر إلى بداية صراع جديد، إذا لم يُحسم السؤال الجوهري:

كيف ننتقل من مجتمع ممزق إلى دولة؟

إن المصالحة الوطنية اليوم ليست خيارًا تكتيكيًا، بل معركة سياسية وفكرية بين مشروعين:

-مشروع دولة قانون وعدالة ومواطنة

-ومشروع انتقام، فوضى، وإعادة إنتاج العصبيات بأسماء جديدة

أولًا: المصالحة في فكر أنطون سعادة الدولة فوق الجماعات

أنطون سعادة حسم هذا النقاش منذ عقود عندما قال إن المجتمع لا يُبنى على الغرائز، بل على الوعي والنظام.

ففي فكره، لا مكان للمصالحة بوصفها صفقة بين طوائف أو تسوية بين زعماء دم، بل هي:

> إعادة انتظام المجتمع على أساس مصلحة الأمة، لا نزوات الجماعات.

من هذا المنطلق، فإن أي مصالحة لا تقوم على:

فصل المجتمع عن الطائفية وفصل الدولة عن الثأر كما فصل العدالة عن السياسة الشعبوية هي مصالحة زائفة، تُنتج حربًا مؤجلة لا سلامًا دائمًا.

ثانيًا: التجارب الدولية  ـ  حين انتصرت الدولة على الغريزة

جنوب أفريقيا: بعد سقوط نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد)واجهت جنوب إفريقيا خطر الانزلاق إلى حرب أهلية دموية لكن القيادة السياسية على رأسها نيلسون مانديلا اختارت طريقاً مختلفاً من خلال إنشاء لجنة الحقيقة والمصالحة كسلاح سياسي

في جنوب أفريقيا، لم تنتصر المصالحة لأن الجلادين كانوا أقل وحشية، بل لأن القيادة السياسية فهمت أن الانتقام يهدم الدولة قبل أن يقتص من الجريمة.

لجنة الحقيقة والمصالحة لم تكن تنازلًا، بل أداة سيادية:

الحقيقة أولًا، الاعتراف العلني والعفو المشروط ولا قداسة للجريمة مهما كان مرتكبها.

رواندا: العدالة الشعبية (محاكم الغاتشاكا الشعبية) ضد إعادة الإبادة وإشراك المجتمع المحلي في العدالة

في رواندا، حيث الإبادة كانت جماعية، أدركت الدولة أن المحاكم الكلاسيكية وحدها عاجزة، فابتكرت نموذجًا يشارك فيه المجتمع نفسه في العدالة، لا بدافع الثأر، بل لمنع تكرار الجريمة. والدرس واضح:

الدولة التي لا تحتكر العدالة، تحتكرها العصابات.

ثالثًا: سوريا  ـ  حين تتحول الضحية إلى مشروع جلاد جديد

في الحالة السورية، الخطر الحقيقي اليوم ليس فقط بقايا الاستبداد، بل:

تحويل المظلومية إلى هوية سياسية

تحويل الدم إلى رأس مال وتحويل العدالة إلى شعارات انتقامية

وهنا يعود فكر أنطون سعادة ليضع الإصبع على الجرح:

الأمم لا تُبنى على الحقد، بل على النظام، فالمجتمع الذي يُدار بعاطفة الثأر، سينتج طغاة جدداً، حتى لو رفعوا رايات الحرية.

رابعًا: المصالحة كفعل سيادي لا كخطاب أخلاقي

المصالحة في سوريا يجب أن تُفهم كـ قرار سيادي لا كنداء وعظي:

1. عدالة انتقالية لا انتقامية ومحاسبة منظّمي الجرائم لا جمهور المنساقين فلا عقاب جماعي ولا تبرئة سياسية

2. هيئة حقيقة وطنية مستقلة ،لا تخضع لتوازنات السلطة ،تمثل الضحايا لا الأحزاب وتكشف الحقيقة كاملة دون انتقائية

3. تفكيك الطائفية قانونيًا ،تجريم الخطاب التحريضي وإنهاء المحاصصة

وجعل المواطنة معيارًا وحيدًا

4. إعادة بناء الإنسان قبل المؤسسة وكما قال سعادة: كل إصلاح لا يبدأ بالإنسان هو ترقيع فاشل.

خامسًا: لا مصالحة بلا مشروع أمة والمصالحة ليست ممكنة في فراغ فكري.

ومن دون مشروع وطني واضح، تتحول إلى مساومة بين قوى الأمر الواقع.

فكر أنطون سعادة يقدّم هنا جوهر الحل:

الأمة وحدة حياة والدولة أداة تنظيم، والقانون فوق الجميع والحرية لا تنفصل عن الواجب

خاتمة: المصالحة أو الانتحار الجماعي وسوريا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:

إما مصالحة تؤسس لدولة، أو ثأر مفتوح يؤسس لحروب جديدة

وكما قال أنطون سعادة:

إن الأمة التي لا تحسن تنظيم حياتها، تحكم على نفسها بالزوال.

المصالحة الحقيقية ليست أن ننسى، بل أن نمنع تكرار الجريمة،

وليس أن نسامح بلا حساب، بل أن نبني دولة تجعل الجريمة مستحيلة

ابراهيم الدن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *