عندما يصبح الجهل عقيدة

تقول الأمثال ان العاقل من اتعظ بغيره فيما الجاهل من يتعظ بنفسه، ولكن حالة النخب الحاكمة و من ورائهم جيش من الاكاديميين و المثقفين و الفقهاء في مشرقنا ذهبت في اتجاه ثالث وهو ان لا تتعظ لا بالغير ولا بالنفس، و تمارس ذات الاخطاء الكارثية، وبعض من هذه النخب قد تكون ساذجة و حسنه النية وهي الاقل التي تفترض انها ستحصل على نتائج مختلفة وهي تمارس ذات الفعل، فيما بعض اخر وهم الغالبية لم تعد تهمهم النتائج واذا كانت في خدمة الامة والدولة والوطن فالمطلوب فقط هو البقاء ولو على حساب الوطن وحطامه طالما يضمن من وظفهم بقائهم، وللتذكير في هذا السياق ما قال دونالد ترامب في خطاب علني عن مكالمته الهاتفية مع قائد عربي كبير.

الداعي لما تقدم هو حالة الجميع في وطننا وعلى طول العالم العربي وعرضه، ولكن المثال الحي اليوم و الاكثر تداولا في الاخبار هو الحالة الكردية في الشمال السوري وما آل اليه رهاناتها التي كانت غير متوقعة لدى قيادات قسد الكردية و ان ادعت انها (قوات سوريا الديمقراطية) وذلك مع انها جاءت كسياق منطقي لسلوك الجماعات الانفصالية عن الامة ان لدواعي ومبررات اثنية او دينية او مذهبية، وهي ايضا تأتي في ذات المسار الطبيعي لسلوك الدول الغربية التي تعاملت مع تلك الحركات لا باعتبارها صاحبة حقوق ومشروعية، وانما باعتبارها بيادق لعب على رقعة  شطرنج، انها ذات الوظيفة في خدمه ذلك الغرب الذي يزداد صفاقة ووقاحة و لعلنا نقول صراحة خاصة في نسخته الأمريكية الاخيرة التي واجهتها دونالد ترامب، وهي الواجهة التي تعلن انها لا تتعامل مع قيم الصداقة و الوفاء ولا تؤمن بالشراكة لأنها تعرف انها تتعامل مع نخب مأجورة لا تحترم نفسها ولا تحترم شعوبها وانما ترتزق من افقار اهلها وجعلهم وقودا في حروب لا ناقة لهم  فيها ولا جمل.

اعتقد الاكراد وقواتهم الديمقراطية (قسد) ان الحرب العالمية على الدولة السورية تمثل فرصة مناسبة لهم للاستقلال واعلان دولة كردية على الارض السورية وهذا ما فعلوه بالممارسة، وان ارتدت حركتهم قناعا لا يخفي حقيقة اهدافهم بالقول انهم يبحثون عن بعض الحقوق الثقافية وشيء من الحكم الذاتي داخل عباءة الدولة السورية، بالغ هؤلاء في ثقتهم بمشروعهم معتمدين على الدعم الامريكي العلني والدعم (الاسرائيلي) نصف العلني ولم يدركوا انهم بذلك يخوضون معركة ضد الدول الاربع المحيطة بكيانهم المحتمل، سورية التي يعيش بها العدد الاقل من الاكراد ثم العراق وتركيا وايران.

وزاد من قناعتهم سقوط النظام الذي اعقبه التمدد (الاسرائيلي) في شرق الجولان وسهول حوران والجبل ثم الدعم الذي لقيه أنصار لمشروع المعادي هناك وما قيل عن مشروع طريق داود الاسرائيلي الذي تقول تل ابيب انه يهدف الى سيطرتها على شريط متواصل من حوران يسير بمحاذاة الحدود الأردنية السورية ثم العراقية السورية وصولا الى شرق الفرات الامر الذي يعطي المشروع الكردي الدفعة الاقوى بوجود منافذ ارضية وبحرية وجوية لدولتهم عبر فلسطين المحتلة.

غاب عن بال الاكراد الدرس ان لا وفاء ولا شراكة مع من هيء لهم انه يدعمهم ويرعاهم، فهم ليسوا الا ادوات وبيادق تحركها ايادي مشغليهم، وبالطبع فان المشغل الرئيس هنا هو الولايات المتحدة التي طالما رات ضرورة تقسيم سوريا وتلزيمها فقط لأنقرة وتل ابيب، في حين يحاول المشغل الفرعي لهم في تل ابيب الحصول على جزء اكبر من المغانم في الارض السورية و خاصة تلك الغنية بالنفط و الغاز و المعادن الثمينة، تلك البيادق التي تتوهم انها قوى لها قدرات  وهي  ليست في حقيقتها التي ستتكشف قريبا الا أدوات في حروب الوكالة ان في حوران والجبل وان في الشمال وشرق الفرات لكن بأرواح ودماء سورية.

من يستطيع ان يلزم انقرة وتل ابيب بالالتزام كل في حصته هو فقط واشنطن، التي يبدو انها حسمت امرها وتخلت عن الاكراد الذين يرى السفير الامريكي في انقرة والمبعوث من واشنطن بصلاحيات واسعة توم باراك ان وظيفة الاكراد قد انتهت وان ليس امامهم الا قبول ما تعرضه عليهم دمشق، ولكن في اقصى غرب هذا الوطن المكلوم، في غزة تعترض (اسرائيل) على مشاركة تركيا في القوات الدولية التي ستحل في غزة قريبا. تكون واشنطن قد رعت مقايضة بين شريكيها بإطلاق يد الاتراك وحليفتهم حكومة دمشق في الشمال للفتك بقسد والاكراد مقابل اخراج الاتراك من القوة الدولية التي ستتجه الى غزة والتي يعترض (الاسرائيليين) على مشاركه الاتراك بها.

هذا ما سنعرفه قريبا والاهم ان كثير ممن نفترض انهم نخب في هذا الشرق لا زالوا  لا يتعظون لا بنفسهم ولا بغيرهم ويمارسون ذات اللعبة التي سيكونون  هم وليس غيرهم ضحيتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *