سوريا.. صفقة التنازل عن الاقتصاد مقابل السلطة

تستمر المتغيرات في المشهد السوري تلعب بمصائر الشعب وآمالهم وطموحاتهم على اختلافها وميولها واستمرار غياب المشروع الوطني الحقيقي الجامع.

فقد شهدت هذه المرحلة انكسار تنظيم «قسد» أمام قوات ما يسمى وزارة الدفاع التابعة للحكومة المؤقتة والقوات التركية المرافقة لها وخسارتها أغلب مواقعها في الجزيرة السورية وانسحابها إلى محافظة الحسكة، وفي المقابل انتشر الكثير من التسريبات المصورة عن فتح السجون التي كانت تضم عناصر تنظيم داعش الارهابي وخروج هذه العناصر وسط تكبيرات متبادلة بين (المحرِّرين،والمحرَّرين) وانسحاب القوات الكردية من مخيم الهول الذي يضم عائلات عناصر هذا التنظيم والذي يعتبر الخزان البشري الأول لهذه العناصر، كما شهد هذا الانسحاب الغياب الكامل لقوات التحالف الدولي التي تدعي أن أساس وجودها على الأراضي السورية هو محاربة داعش وأخواتها وهم من أسسوا بشكل فعلي لهذه المعتقلات والمخيم ووضعوه تحت حماية قسد.

ومن الجهة المقابلة فقد انتشرت أخبار مصورة أيضاً لعناصر الحكومة السورية المؤقتة وهي تقوم بنهب وسرقة المنازل وارتكاب الانتهاكات في المناطق التي يدخلونها، فأصبح المشهد السوري بعد ذلك على النحو الآتي:

تلملم القيادة الكردية جراح وصدمة أنصارها بالوعود والتحليلات الفارغة والانتصارات الوهمية بتوريط القوات الحكومية بالمناطق التي خسرتها قسد حسب محلليهم ومؤثريهم وأنهم عادوا للاهتمام بمراكز الكرد الرئيسية في الحسكة والقامشلي، وكانت قسد هي صاحبة أول مشروع تقسيمي في سوريا منذ بداية الأزمة السورية وحملت شعار الفيدرالية السياسية وتعاملت مع كل ما مرت به البلاد على أساس أنها الحاكم والمسيطر على الجزيرة السورية وخيراتها وثرواتها بعيداً عن حكومة دمشق وكانت تحصل بالمقابل على 130 مليون دولار من الأمريكي كدعم تحت عنوان محاربة الارهاب.

بينما يحتفل مؤيدوا الجولاني بالانتصار العظيم وكأنهم استعادوا القدس وأعادوا أمجاد فتح الشرق والغرب وينكرون أنهم لولا تخلي المشغل الأمريكي عن قسد لصالح الجولاني وباعتراف صريح من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي لا يرى في أي شيء إلا مكاسب اقتصادية لبلده والتي تمثلت بما تنازلت عنه حكومة الجولاني من ثروات واستثمارات مقابل هذا التخلي، وينسون أنهم قبل عدة أيام فقط تنازلت حكومتهم في باريس عن الجولان وجبل الشيخ تحت مسمى مناطق استثمار اقتصادي مشترك مع المحتل الاسرائيلي وأن الجنوب السوري بمحافظاته الثلاث حتى ريف دمشق الجنوبي معزول من السلاح لضمان أمن شمال الكيان، ولكنهم ينتظرون ما سيحل بمشكلة السويداء وهم منتشون بالأمل بتكرار سيناريو التخلي عن الدعم الاسرائيلي والأمريكي عن الشيخ الهجري ومن يمثلهم وهذا بالنسبة لهم احتمال وارد بعد ما رأوه في الجزيرة السورية.

أما السويداء فالمتابع يرى بشكل واضح الصدمة التي مني بها أبناؤها بانكسار حليفهم قسد (نعم هو حليف وليش شريك وطني) لأن الطرفين لم يحملا مشروع وطني بل مشروع فيدرالي يلغي فكرة الوطن والمجتمع الواحد، فكانت رد فعلهم وكأنهم يرون أمامهم مشهد قد يتكرر عندهم في أي لحظة حين يتخلى عنهم من ادعى حمايتهم، ولكن بالمقابل هذا الاحتمال رغم كل شي يبقى فيه اختلافات وتوازنات قد تمنع حدوثه إلا في حال تقديم حكومة الجولاني عرض مغرٍ للاسرائيلي لا يمكنهم رفضه وهذا أيضاً احتمال وارد في أسلوب الجولاني في السياسة، فالسويداء أهم ميزاتها أنها تقع ضمن الأراضي التي تدعي اسرائيل أنها أرضهم من الفرات إلى النيل على عكس الجزيرة السورية فهي بالنسبة لهم أرضهم ويريدون تحريرها، وتحالفها مع الشيخ الهجري ومن يمثلهم هو امتداد لمواطنين يحملون الجنسية الاسرائيلية ويقاتلون في الجيش الاسرائيلي لا يمكن لحكومة الاحتلال التخلي عنهم ببساطة كي لا ينقلب تأييد هذا المكون لهم إلى عداء يؤدي إلى خرق كبير داخل الجيش الإسرائيلي والموساد الذي يعمل بنسبة كبيرة منهم داخلهم.

وأما الساحل الذي يشهد بعض الهدوء النسبي الحذر بعد كل هذه الأحداث والمعاناة فيما رأينا بعضاً من أبنائه ذهبوا ليقاتلوا إلى جانب قسد إما من باب الارتزاق أو الثأر من مقاتلي الجولاني.

سوريا عموماً تشهد سقوط مشاريع التقسيم الجغرافي بشكل مبدئي ولكنها فعلاً تم تقسيمها تحت وصايات خارجية اقتصادية فالجنوب لاسرائيل والشرق مع البادية للأمريكي والشمال للتركي والساحل للروسي بينما الشعب تحت قيادة مركزية مهمتها إخضاع الشعب تحت هذه المشاريع كذراع أمنية تحميهم جميعاً من أي نهضة سورية ومشروع سوري وطني حقيقي.

سومر الفيصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *