يستحق الفكر التكفيري/ الإرهابي المتابعة بدقة نظراً إلى انتشار جو القمع الفكري والنفسي والعاطفي والأمني/ العسكري الذي يستخدمه برعاية الاستخبارات التركية وبتغطية من واشنطن و«تل أبيب»… جو القمع الذي ترزح تحته سوريا أفراداً وجماعات وتعاني من تداعياته المنطقة. إنه فكر متأثر ومكيف بذلك الجو بابن تيمية والوهابية. كثيرون من المفكرين والكتاب والصحافيين خصوصاً من فلول اليسار، يسخّرون أقلامهم للترويج لهذا الفكر، لقاء تعويض مالي أو مكافأة مادية أو شغل منصب من المناصب أو الوعد بعمل ما من أصحاب السلطة الحكومية وغير الحكومية الداخلية والخارجيةّ!
لعل الإرهاب الفكري من أخطر التحديات التي تواجه المجتمع السوري، إذ يهدد الاستقرار الاجتماعي، ويغذّي التطرّف، ويُضعف منظومة القيم التي تقوم عليها الدول، فالفكر المتطرّف لا يقل خطورة عن الإرهاب المسلّح أذ يمهّد له ويوفر له الأرضية المناسبة للانتشار والتجذّر وهو ما يمكن رؤيته بالعين المجردة ممن يتكون جيش السلطة الانتقالية والرموز التكفيرية والإرهابية الذين يسيطرون على مفاصل هذا الجيش.
الفصائل التكفيرية التي هي جزء من المنظومة السياسية والتي قيل إنه تم دمجها مع الجيش والقوى الامنية لم يتم حلها ولم تدمج، بل مارست الانتهاكات والجرائم والقتل على الهوية في الساحل السوري والسويداء والشيخ مقصود والأشرفية… ويتم التحضير لانتهاكات دموية كبيرة في دير حافر ومسكنة (من ضواحي حلب). وهو ما أكدته الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية الكردية إلهام أحمد، في حديث لصحافيين (13/1/2026). إذ قالت أن حكومة دمشق «تحضّر لهجوم جديد، النية هي توسيع هذه الهجمات».
وأضافت «يدّعون أنهم يحضرون لعملية صغيرة لقتال حزب العمال الكردستاني، لكن في الواقع، النية هي هجوم شامل»، مؤكدة «سندافع عن أنفسنا، ومن أجل تفادي فوضى أكبر في سوريا لا بدّ من الدعم، ولا بدّ من الضغط على الحكومة لوقف هجماتهم ضد قواتنا» وهي تقصد قوات «قسد».
عبء سياسي
لا شك أن المجتمع السوري الذي يسوده التنوع الديني والإثني/ العرقي وفي فئات واسعة منه يعيش الآن، بعد تلك المجازر، حالة من الشك والريبة والقلق من سلوك السلطة الانتقالية، سلطة الأمر الواقع التي أفصحت بشكل جلي وصريح عن توجهاتها الدموية وتجاهلها للتنوع وأهمية بث الطمأنينة فيه، ولكنها استفردت بكل شيء، اذ فرض أحمد الشرع (الجولاني) نفسه قائداً لسوريا من خلال اتباع مبدأ المغالبة بعيداً عن مبدأ المشاركة وهي عملية فرض أمر واقع على الإرادة الشعبية متجاهلاً أهمية المشاركة بوصفها أحد أهم إستراتيجيات إدارة التنوع، غير أن التكفيريين كسروا فكرة المشاركة في مجازر ضواحي حلب وفتحوا باباً للهمجية والوحشية باعتبارهما مفتاحاً للتقرب من الله!
ولكن هل تدرك السلطة الانتقالية السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع أن الأخلاق السياسية تحتل موقعاً محورياً في بناء الدول واستقرارها، لأنها تمثل البوصلة التي توجه طريقة استخدام السلطة، وتحدد العلاقة بين الحاكم والمجتمع. ومع تعدد التجارب التاريخية وتنوع النماذج السياسية التي عرفتها البشرية، بات واضحاً أن السياسة التي تنفصل عن الأخلاق تُفضي حتماً إلى تآكل الشرعية وانهيار الثقة، مهما بلغت قوة الأجهزة في الإجرام والقتل.
في المشهد السياسي السوري تتقاطع صورتان متقابلتان وتستكملان بعضهما البعض، وتكشفان بوضوح عن طبيعة العلاقة المتكاملة بين السلطة والخارج وفي مثل هذه الحالة، يتحول المنصب من أداة إدارة إلى عبء سياسي، وتغدو السلطة عنواناً للأزمة لا لحلّها، في الوقت الذي يوجد من يراهن على عدم الوعي وتغييب الإرادة الشعبية كما في السنوات الماضية.
ولقراءة ما حصل في حلب نرى أنه لم يكن غريباً اللقاء بين الرئيسين، الأميركي دونالد ترامب، والإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في فلوريدا (29/12/2025)، ولكن المفاجئ كان الاتصال الذي جرى بين ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد ذلك، واللقاء والاتصال مترابطان وخطيران، وهما جاءا عشية معركة حلب بين قوات «قسد» وفصائل تابعة مباشرة للاستخبارات العسكرية التركية التي ترفض أي اتفاق بين «قسد» ودمشق، وتعمل جاهدة لـ «تقليم» مواقع وجود ونفوذ «قسد» بدءاً من الحيين الكرديين، «الشيخ مقصود» و«الأشرفية» اللذين يشرفان على أوتستراد عنتاب، وهو الطريق المهم، الذي يربط تركيا بحلب، ولعل تصريح السفير الأميركي توم باراك يشي بالضوء الأخضر الأميركي للمذبحة بحق الأكراد السوريين في ذلك الحيين السالمين، حتى يمكننا تشبيه ما حصل بالتراجيديا السورية الشبيهة بالمأساة اليونانية في القرن الخامس قبل الميلاد. في التراجيديا السورية يواجه فيها البطل الكردي تحديات المؤامرة «يقودها الثلاثي: ترامب ونتنياهو وأردوغان» فتدمره بواسطة التكفيري نتيجة لخيانة الحليف الأميركي (الذي يبيع ويشتري وفق مصالحه). وغالباً ما يقع البطل الكردي بسوء تقديره للأمور نتيجة لعدم التوازن في رؤيته للأمور.
كان من الأفضل لقائد «قسد» السيد مظلوم عبدي الاستفادة من تجربة رئيس إقليم كردستان السيد مسعود البرزاني في علاقته مع الإدارات الأميركية المتعددة، وعدد المرات التي خانت فيها تلك الإدارات للبرزاني ولـ «إقليم كردستان» وتخلت عنه، ولعل تصريح السفير الأميركي السابق في سوريا «روبرت فورد» وتحذيره الأكراد من أن الإدارة الأميركية ستتخلى عنهم، وأن «الإدارة الذاتية الكردية سترتكب خطاً كبيراً في حال اعتمدت على حماية الولايات المتحدة الأميركية» أكدتها معركة حلب التي جاءت أيضاً للتغطية على لقاء وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني مع موظف إسرائيلي من الدرجة الثالثة «رون ديرمر» في باريس وبرعاية المبعوث الأميركي توم براك.. فهل سيستدرك عبدي في المستقبل هذا الواقع قبل فوات الأوان؟ وهل يدرك أن معركة حلب لم تكن إلا بروفة أمام ما يحضّر لمناطق شرقي الفرات من مجازر ستطال الأهالي هناك؟
التكفيري صناعة سياسية
لم يكن مشهد القاء الفتاة الكردية المقاتلة من أعلى طابق في بناية متصدعة مع تكبيرة «الله أكبر» من قبل أحد التكفيريين، إلا صورة للتراجيديا السورية المؤلمة والمأساوية المتكررة التي تذكرنا بإلقاء بعض العسكريين من جسر الشغور، وكأن ذلك التكفيري القاتل الذي رمى الفتاة أراد التأكيد إلى أنه من خير أمة أخرجت للناس، ولكن في فنون القتل والذبح الذي كان قد بدأ في أعناق العراقيين واستقر بعد ذلك على أعناق السوريين.
اللافت هو سكوت السوريين على المذبحة الآن في «الشيخ مقصود» و«الأشرفية»، كما صمتوا على مذابح الساحل السورية والسويداء إلا من الاستنكارات والتضامن مع الضحايا، فهل أصبح الرقص علی الجراح عبارة تقليدية في أدبيات الألم السوري؟
لقد مرَّ فيديو «رمي الفتاة» كنتيجة طبيعية للصمت الخبيث والخطير إزاء المجازر الطائفية والمذهبية والإثنية منذ سقوط الدولة السورية ونظام البعث، قبل أكثر من عام.
لم يكن التكفيري إلا صناعة سياسية خالصة عندما تم الاستعانة به من قبل الاستخبارت العالمية (راجعوا تصريحات رئيس وزراء ووزير خارجية قطر السابق، حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، والسفير الأميركي السابق في دمشق روبرت فورد)، يقتل ويُهجِّر ويستبيح المال العام من أجل أن ترفع كلمته.. إرهابيون يعتقدون أن طريق النصر يجب أن يُفرش بارتكاب المزيد من المذابح، ويعتقدون أن طريق الجنة مفروش لهم ولأصحابهم فقط.
سوريا تبدو الآن أمام كارثة تسير نحوها بسرعة يدفعها سدنة الموت والكراهية والتكفير والإرهاب عشاق الذبح والاغتصاب والقتل، فحين ترتدي الدولة رداء الدين او الطائفية فقد وضعت نفسها على سلّم السقوط نحو الهاوية.
ما حدث في «الشيخ مقصود» والأشرفية، حدث مفصلي سيقرر مستقبل سوريا ووحدتها وليس حدثاً عابراً.

