سورية بين التفكيك المُدار وازدواجية المجتمع الدولي

الفصل السابع: أداة ضغط لا حماية

لم يعد الحديث عن احتمال تقسيم سورية ترفاً فكرياً أو تهويلاً سياسياً، بل بات توصيفاً لمسارٍ يُدار بهدوء وبرودة أعصاب دولية. فسورية، منذ أكثر من عقد، لا تُدفع نحو حل، بل نحو استنزاف طويل يجعل من تفككها نتيجة «طبيعية» لا جريمة سياسية.

التقسيم في الحالة السورية لا يُطرح بصيغته الفجّة، بل يُبنى عبر الوقائع: مناطق نفوذ، سلطات أمر واقع، اقتصاديات منفصلة، وخرائط أمنية متعددة. هكذا يُفرَّغ مفهوم الدولة من مضمونه، من دون الحاجة إلى إعلان وفاة رسمية لها.

قرارات الفصل السابع: حين تكون القوة أولاً

شكّل لجوء مجلس الأمن إلى قرارات صدرت تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما القرار 2245 ثم القرار 2253، انتقالاً واضحاً من السياسة إلى الإكراه. فهذه القرارات، التي فُرضت بصيغة إلزامية، منحت المجتمع الدولي أدوات ضغط اقتصادية وأمنية واسعة، من دون أن تترافق مع أي التزام بحماية وحدة الدولة السورية أو إعادة بناء سيادتها.

في المقابل، جرى تقديم القرار 2254 كمسار للحل السياسي، رغم كونه غير ملزم، ومفتوحاً على التأويل والتعطيل. وهنا تظهر الازدواجية الدولية بأوضح صورها:

إلزام صارم حين يتعلّق الأمر بالأمن والمصالح، وضبابية متعمّدة حين يتعلّق بمصير وطن.

ماذا يريد المجتمع الدولي من سورية؟

الوقائع تشير إلى أن المجتمع الدولي لا يسعى إلى دولة سورية قوية، بل إلى كيان مُدار: ضعيف السيادة، محدود القرار، قابل للضبط، وغير قادر على لعب دور إقليمي فاعل. لذلك يُترك الصراع مفتوحاً، وتُمنع لحظة الحسم، لأن الحسم يعيد للدولة معناها، وهو ما لا تريده القوى المتدخلة.

يوغسلافيا: درس لم يُقرأ

ما جرى في يوغسلافيا السابقة ليس حدثاً تاريخياً معزولاً، بل نموذجاً تحذيرياً. هناك أيضاً، سبقت العقوبات وقرارات الفصل السابع أي حل سياسي جدي، وتحولت الدولة إلى ملف أمني دولي، قبل أن يُشرعن تفككها تحت شعار «الواقع الجديد».

والخطر اليوم أن تسلك سورية المسار ذاته، لا عبر حرب خاطفة، بل عبر إنهاك طويل يجعل التقسيم يبدو كخيار اضطراري لا كمخطط متعمّد.

الخطر الأعمق: تفكيك الإنسان

إن أخطر أشكال التقسيم لا يبدأ من الخرائط، بل من تفكيك الوعي والانتماء. حين يُعاد تعريف المواطن وفق الطائفة أو المنطقة أو الحماية الخارجية، تصبح الدولة عبئاً، وتغدو الوحدة ترفاً، ويُمهَّد الطريق لتفككٍ لا يحتاج قراراً رسمياً.

إن سورية لا تواجه أزمة حكم فحسب، بل مشروع تفكيك متكامل. ولا يمكن مواجهة هذا المشروع بالرهان على الخارج أو بالاحتماء بالقرارات الدولية، بل بإعادة بناء مشروع وطني جامع يعيد للدولة معناها، وللمواطن انتماءه، وللسيادة مضمونها.

وكما قال أنطون سعادة:

«إن الأمة التي لا تحسن الدفاع عن وجودها، لا تستحق هذا الوجود.»

هذه هي المعركة اليوم:

إما دولة موحّدة سيدة،

وإما كيانات وظيفية تُدار من الخارج.

إبراهيم الدن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *