مظلومية فكر أنطون سعادة في ظل حكم البعث والأسدين

كيف حُوصرت النهضة لأنّها تهدّد منطق الاستبداد

منذ نشأته، شكّل فكر أنطون سعادة خطراً حقيقياً على كل سلطة استبدادية، لا لأنه دعا إلى انقلاب أو عنف، بل لأنه قدّم مشروعاً متكاملاً لتحرير المجتمع من الخوف، والطائفية، وعبادة الأفراد. لذلك، لم يكن غريباً أن يتحوّل هذا الفكر، خلال حكم حزب البعث وعهدي حافظ وبشار الأسد، إلى فكرٍ مُطارَد في الجوهر، ومُستَخدم في الشكل.

أولاً: صراع مشروعين لا خلاف حزبين

لم يكن الصراع بين الحزب السوري القومي الاجتماعي والبعث صراعاً على سلطة أو نفوذ، بل صراعاً بين مشروع دولة ومشروع نظام.

فكر أنطون سعادة قام على:

الأمة بوصفها مجتمعاً حياً لا قطيعاً سياسياً والدولة بوصفها مؤسسات لا ملكاً لعائلة

والمواطن بوصفه مصدر السلطة لا تابعاً لها

في المقابل، أسّس البعث نظاماً:

يحتكر تعريف القومية ويربط الوطنية بالولاء ويحوّل الدولة إلى أداة أمنية لضبط المجتمع

هنا تحديداً أصبح فكر سعادة غير مقبول لديهم، لأنه يفضح زيف القومية الرسمية، ويكشف أنها لم تكن يوماً مشروع نهضة، بل غطاء أيديولوجياً للاستبداد.

ثانياً: من القمع إلى التدجين

في المراحل الأولى، كان القمع مباشراً: اعتقالات، ملاحقات، منع نشاط.

لكن الأخطر جاء لاحقاً، حين قرّر النظام عدم إلغاء الحزب، بل تدجينه.

وسُمح بوجود الحزب ضمن شروط غير معلنة، ولاءات واضحة :

لا استقلال سياسي

لا موقف وطني خارج السقف الأمني

لا فكر يُمارَس بوصفه بديلاً

وبهذا، تحوّل الحزب من حركة تغيير إلى هيكلٍ مُحتوى، وتحوّل فكر أنطون سعادة من مشروع ثوري إلى نصٍّ يُستدعى عند الحاجة، ويُدفن عند الخطر.

ثالثاً: الأسدية… عندما تصبح الدولة ضد المجتمع

مع حافظ الأسد، تكرّس نموذج الدولة الأمنية، حيث:

الزعيم فوق المساءلة والحزب الحاكم فوق القانون والأجهزة فوق الدولة نفسها

في هكذا نظام، لا مكان لفكر يقول إن الحرية شرط النهضة، وإن الأمة لا تُختزل بشخص، وإن السلطة وظيفة لا قداسة لها.

أما في عهد بشار الأسد، فقد ترافقت هذه البنية مع فساد شامل، وتفكك اجتماعي، واستخدام فجّ للأحزاب «الحليفة» كزينة سياسية، بلا أي احترام لتاريخها أو أفكارها.

رابعاً: الأقليات… من مشروع المواطنة إلى سياسة الخوف

قدّم أنطون سعادة حلاً جذرياً لمسألة الأقليات:

دولة مدنية، فصل الدين عن الدولة، مساواة كاملة، وإلغاء الامتيازات الطائفية.

لكن النظام الأسدي اختار الطريق المعاكس: تخويف الأقليات من محيطها،ربط أمنها ببقائه وتحويلها إلى رهائن سياسية

وهنا تتجلى المظلومية الكبرى:

فكر أنطون سعادة، القادر وحده على حماية الجميع دون استثناء، جرى تهميشه لأنه يهدد معادلة «الحماية مقابل الصمت»، ويفتح باب المواطنة بدل الخوف.

خامساً: المظلومية الحقيقية… منع البديل

المظلومية الأعمق لم تكن في القمع ولا في الاحتواء، بل في منع فكر أنطون سعادة من أن يصبح خياراً وطنياً حقيقياً.

فلم يُسمح له بأن يكون: بديلاً للطائفية، أو مشروع دولة بعد الاستبداد، أو إطارا جامعا للسوريين

وتم اختزاله في احتفالات، وخُطَب، وشعارات، بينما جرى إقصاء جوهره: تحرير الإنسان السوري من الخوف.

خاتمة

اليوم، بعد أن انهار وهم «الدولة القوية»، وتكشّفت كلفة الاستبداد على الجميع، تعود الحاجة إلى فكر أنطون سعادة كحاجة وجودية، لا كحنين تاريخي.

وإن إنصاف هذا الفكر لا يكون بالبكاء على مظلوميته، بل بإعادته إلى مكانه الطبيعي:

فكراً حياً، معارضاً للاستبداد، وجسراً نحو دولة المواطنة والنهضة.

المجد لسورية.

إبراهيم الدن