عودة الديكتاتورية في العالم الأنجلوساكسوني من بوابة منع قراءة روايات محدّدة!…

كنا نعتقد أن عصر الديكتاتوريات ولّى إلى غيرِ رجعة، ولكن يبدو أنها تعود بخطوات حثِيثة في زماننا، في بلدان تتشدق بأنها أساس الحريات العامة والديمقراطية وحرية الفكر والمعتقدات مثل كندا والولايات المتحدة الأمريكية، وذلك من باب تحريم قراءة روايات معينة في المعاهد والمدارس وصولا الى حظرها في المكتبات العامة وربما يمنع بيعها في يوم قريب.

نعم ما حصل يذكرنا بالعصور الماضية حين حرقت كتب ابن رشد والراهب الثائر سافونا رولا واضطهاد علماء مثل كوبرنيك وجيوردانو برونو.

جمعت الكتب وصودرت وكأنها كتب خارجة على القانون، وتمّ إيداعها في أروقة الكتب «المحظورة » تحت الأرض!

لماذا الكتب؟ لأنها مصدر المعرفة والتنوير بكل بساطة، وقد سأل صحفي ذات مرّة الجنرال فرانكو:

ما هي الديكتاتوريّة؟

فأجابه: أن تجعل المفكّرين والمثقفين يصمتون!

هكذا وبكل وقاحة قالها دكتاتور منذ قرن من الزمان، و لا تزال هذه القاعدة مزدهرة ، في البلدان الأنجلوسكسونية، بلاد الإنسان الأبيض (النقي الباهر المنزّه، الجاثم كالطاغية فوق رؤوس كل سكّان الأرض ) ! .

في الأشهر الماضية قامت بعض الولايات الأمريكية وكندا بتحريم سلسلة من الكتب ومنع قراءتها بموجب قوانين تدّعي حماية الطلاب، ولكن في واقع الأمر تهدف حكومات هذه البلدان الى قمع الفكر والتفكير الحرّ.

ولكن لم تمضِ قضيّة الحظر من دون ردّة فعل فقد هاجمت الكاتبة مارغريت أتوود، مؤلفة «قصة الخادمة باللون القرمزي»، الرقابة في المدارس الكندية.

نشرت الكاتبة نصّاً استهدفت فيه مباشرةً رئيسة وزراء مقاطعة ألبرتا، دانييل سميث.

كانت وزارة التعليم في مقاطعة ألبرتا – كندا، قد أعلنت عن سحب بعض الأعمال الأدبية من مكتبات المدارس بحجّة احتوائها على محتوى جنسي صريح. واحدة من تلك الروايات؛ رواية «قصة الخادمة باللون القرمزي»، العمل الشهير الذي جرى تحويله إلى مسلسل، إذ كانت الرواية ضمن قائمة الكتب المحظورة. هذا القرار لم يُعجب إطلاقاً مؤلفته مارغريت أتوود، التي ردّت على طريقتها.

نتيجةً لهذه المواقف الشجاعة تراجعَت حكومة ألبرتا، أو على الأقل أوقفت مؤقتاً مشروع الرقابة هذا، بحسب ما أفاد به موقع Deadline الإخبارية. فقد أوضحت وزارة التعليم في وثيقة أرسلتها إلى إدارات المدارس أن المشروع، الذي كان من المقرر تطبيقه ابتداءً من 1 أكتوبر، / تشرين الأول أصبح «معلّقاً حتى إشعار آخر».

كانت الروائية أتوود، البالغة من العمر 85 عاماً، قد نشرت على حسابها في منصة X يوم الأحد 31 أغسطس / آب، قصّة قصيرة تقول عنها أنّها قصّة «مناسبة لطلاب الثانوي، بخلاف – كما يُقال ويدعي المغرضون – «قصة الخادمة باللون القرمزي » وقد علّقت أتوود قائلة: (آسفة يا أطفال، فحكومتكم تعتقد أنكم رُضّع أغبياء)»، قالت الكاتبة ذلك من باب السخرية الشديدة والقرف من عودة الدكتاتورية العمياء .

أمّا عن محتوى هذه القصة القصيرة فهي تروي حكاية طفلين، جون وماري، «كانا في غاية الطاعة، تزوّجا وأنجبا خمسة أطفال مثاليين من دون ممارسة الجنس».

 تذهب أتوود أبعد من ذلك لتهاجم مباشرةً رئيسة وزراء ألبرتا: «وعاشا في سعادة أبدية. لكن في تلك الأثناء، أصبحت «قصة الخادمة باللون القرمزي» واقعاً، ووجدت دانييل سميث نفسها في فستان أزرق جميل، ولكن عاطلة عن العمل».

إشارة إلى «الفستان الأزرق» هنا تعود إلى دور الزوجة في دولة جلعاد الخيالية (لاحظوا الاسم التوراتي) التي ابتكرتها أتوود في روايتها «الخادمة باللون القرمزي» الديستوبية عام 1985، حيث تُحصر النساء في ثلاثة أدوار فقط: الخدمة الطاعة والإنجاب.

تستكشف الرواية بدقّة مواضيع الحريّة والقمع والمقاومة في مجتمع شمولي، حيث تدور الأحداث في جمهورية جلعاد كما ذكرنا حيث تخفض قيمة النساء إلى أدوار محددة بشكل صارم ويخضعن لقمع منهجي وحصر دورهنّ بالعمل والإنجاب.

كان نص أتوود القصير بمثابة هجوم مباشر على القرار الذي صدر في يوليو / تمّوز، والذي نصّ على حظر بعض الكتب من مكتبات المدارس الثانوية بحجة وجود «وصف صريح لفعل جنسي» فالكتب لا يُسمح بها إلا إذا اعتُبرت ضرورية ضمن المنهاج الدراسي.

بعد الإعلان عن تعليق المشروع، بررت رئيسة الوزراء الموقف، مؤكدة أنّ الهدف كان إزالة الكتب التي تحتوي على صور إباحية، وليس حظر الكلاسيكيات الأدبية، بحسب Deadline الإخبارية.

كل القرار الذي صدر يقضي أنه على كلّ مدرسة كان أن تحدّد قائمة الكتب الممنوعة لديها: على سبيل المثال، مدرسة في إد منتون كشفت عن قائمة تضم «قصة الخادمة باللون القرمزي » إلى جانب «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي، ورواية «1984» الشهيرة لجورج أورويل، و«أعرف لماذا يغني الطائر الحبيس» لمايا أنجلو.

قائمة واسعة جداً أثارت انتقادات عديدة، حتى من رئيسة الوزراء نفسها، وتأتي في سياق النفوذ المتزايد لجمعيات أولياء الأمور المحافظة مثل Action 4 Canada وParents for Choice in Education (PCE). إذ جاء هذا القرار نتيجة ضغط حملات مكثّفة من قبل هذه الجماعات على الحكومة المحليّة.

الوضع في ألبرتا ما يزال غير محسوم، لكنه يذكّر كثيراً بما يحدث منذ سنوات في الولايات المتحدة، حيث بلغت الرقابة مستوى قياسياً عام 2024 وفق ما نقلته France 24 وكندا تتبع خطوة بخطوة، جارتها ووليّة أمرها الولايات المتحدة الأمريكية التي تنوي احتلالها وضمّها وجعلها ولاية طيّعة كالخاتم في الإصبع.

الحكومة أوضحت أنها ستقدّم توضيحات إضافية للمدارس بشأن الخطوات المقبلة. وفي الوقت عينه، في هوليوود، لم تتوقف أعمال إنتاج مسلسل «الوصايا» المقتبس من تتمة «قصة الخادمة باللون القرمزي».

لا حاجة لنا أن نكرر السؤال التالي:

ما سبب يقظة الطهرانيّة وهبّة العفّة في مجتمعات كانت لعهود طويلة تسمح بكل شيء من دون استثناء في ظلّ تسويق الحداثة وسيادة القانون؟

الجواب واضح أشدّ الوضوح:

ثمّة بصمات لدونالد ترامب وايلون ماسك وغيرهم من أعضاء العصابة العالمية الكبرى؛ أتباع المشروع الإبراهيمي وتوحيد الشعوب تحت مسمّيات عديدة من مثل الحكومة العالمية، وأمور أخرى مشبعة بأحلام أساطين المسيحية الصهيونية التي تسعى إلى السيطرة الشاملة على العالم من خلال تكفيره وتعجيل حصول« يوم القيامة ».

هذه الوسائل لا زالت تتكرّر منذ آلاف السنين، منذ أن وقف سقراط في وجه الأوليغارشية التي وسمت الطبقة الحاكمة في أثينا، والتي حكمت بإعدامه زورا وبهتانا. مع الأسف إنها الوسيلة ذاتها، ولكن الكيفيّة تتبدّل بعض الشيء والطاغية يعمد الى التبشير والنهي عن المنكر والأمر بالمعروف بخباثة مطلقة، يقول على شريعتي في هذا الصدد:

«إنّ الدكتاتورية تبرر استبدادها على أنه (تربية) للمجتمع ، فتقوم بتأديبه بالسوط و العصا كي يُطَوَّع ويطيع! »

في رواية الكاتب « راي برادبوري »

فهرنهايت451 تقوم حكومة دكتاتورية متطرّفة بحملة إحراق ممنهجة للكتب كي تمنع الناس نهائيا من القراءة وتاليا تحرمهم حريتهم وتدمّر بشكل كامل فكرهم وإدراكهم وتتسلّط على عقولهم!

في الرواية يتحدّث المؤلف عن شرطة خاصة مهمتها مداهمة مخابئ الكتب السريّة. في واحدة من المداهمات يقول قائد السريّة وهو يقلب الكتب التي سوف يقوم بحرقها:

« آه هذا الكتاب لابدّ وأنه عميق جدّا ؛ (الأخلاق لأرسطو) حين يقرأه شخص ما سوف يشعر أنّه متفوّق على التعسَاء الذين لم تكن لديهم فرصة لقراءته. هذا موضوع مؤذ للغاية، لأنه يحب أن نكون متساويين جميعا. وحدها المساواة تؤمّن السعادة للجميع! لذلك وجب علينا إحراق كل الكتب ».

هكذا هي الدكتاتوريّات في كلّ مكان وزمان، تضع أذن الجرّة كما يشاء الفاخُوري

ختاما، نجد أن محاكمة سقراط هي المحاكمة الأطول في تاريخ البشريّة، إذ هي لا تزال مستمرة منذ أكثر من ألفي سنة ولم تنتهِ فصولها بعد والغد لنَاظره قريب! …