أدونيس، علي أحمد سعيد، الوافدُ من مسقطه قصّابين في منطقة جبلة في محافظة اللاذقية، النازلُ عام 1944 لتحصيلِ العلم في مدينة اللاذقية، المُنتمي هناك وهو في الرابعة عشرة إلى الحزب السوري الاجتماعي، الذاهبُ إلى تقديم مؤسِّسه أنطون سعاده في محاضرة له عند ساحلها يوم 26 تشرين الثاني 1948، وهو في الثامنة عشرة، فإلى جامعة دمشق لدراسة الفلسفة، فالسجن في المزّة عام 1955 إثر قضيّة المالكي واتّهام الحزب باغتياله، وإلى بيروت مركز ثقل حريّة العرب، متألّقاً مع مجلّة شعر بدءاً من 1957 وانفصاله عنها عام 1963، لموقفه الثابت من التراث، ثمّ إصداره مجلّته مواقف عام 1968، داعياً فيها إلى الحريّة والإبداع والتغيير، على مدى ربع قرن، فأطروحة دكتوراه من الجامعة اليسوعيّة بعنوان «الثابت والمُتحوِّل: بحثٌ في الإبداع والإتّباع عند العرب» (صدرت كتاباً في ثلاثة أجزاء عام 1973)، وبقي حتى الساعة وفيّاً لتعاليم سعاده، فلم يخرج عنها قيدَ أُنملة، وبدا أثرُ سعاده عليه واضحاً في كلِّ ما سطّر وأذاعَ وأعلنَ. وها هو اليوم يُصدِر في بيروت من سكنِه بباريس ديوانَه الجديد هجرة الشمس (دار الساقي 2026) ناعياً فيه حاضرَ الشرق في مآله إذ أمسى ملاذاً لأُفول الفكر حيثُ:
لا مكانٌ لأيّ كتابٍ
في النعيم، إذا لم يكن حِبرهُ جحيماً
وحيثُ «سلطةٌ تتقمّص جبّانة، بلادٌ تتعبّدُ جلّادَها» فها هو دجلة يظمأُ وها هو الفرات ينزوي، إلّا أن أدونيس، رغم مأساة واقِعه، يرتدُّ إلى ماضيه الهانئ في قصّابين جالِساً في ظلّ زيتونة، مُحاوراً النسيمَ، مُدركاً أنّ للبرعمِ هناك شكلاً شديدَ البساطة، بيدَ أنه يختزنُ مضموناً شديد التعقيد، ومن هنا حيرتُه:
لا يزورُني اليقين إلّا نادراً
أمّا الياسمينة رمز مدينته دمشق فتهمسُ للشّمسِ أن تتمهّلَ في سيرِها، ما يردُّه إلى أن يختصرَ حياتَه من منشأه حتى منفاه، فالبداية نعيمٌ والنهاية فردوسٌ مفقود:
رسمَ الطفلُ فيَّ طريقاً إلى الصالحيّة،
يبدأ من باب توما.
ورسمتُ، أنا الشيخ، في دفتر الحُلم شيئاً
غريباً، نسيتُ اسمَه –
سأقول: اسمُه قاسيونٌ
مُقرّاً وواثقاً بأنّه لن يعودَ يوماً إلى قصّابين، فالطريقُ إلى القرية التي جاء منها زمنٌ آخر، إذ تحوّلَ الشاعرُ نفسُه إلى هجرتِه، فإذا هو متدحرجٌ في سفح هذا الزمانِ حيث «الخرابُ المدى والمكانُ»، فأمسى في منفاه الباريسي في قَفرٍ ينصبُ له خيمةً، ولماذا، لأنّه:
خَطِرٌ ومريبٌ أنْ تمدّ يديك إلى وردة؟
مُعلناً نهاية الحسّ الرومانسي في دنيا العرب، من محيطٍ إلى خليجٍ، هو أدونيس، علي أحمد سعيد، المنفيّ الأبديّ منذ أضاعَ ياسمينَ دمشق ونبعَ قصّابين، في غنائيّة نادرة تفي الغيابَ عنهما حقّه:
ليس بيني وبينكِ يا غُوطةَ المدائنِ، من أوّل المستحيلِ،
إلى آخر المستحيلْ
غيرُ حبّي وحُزني، وغيرُ الرحيلْ
ناسِخاً ماضيه ومستعيذا حُلْمَه، هو العائد أبداً إلى مسقطِه حيث فردوسه الأبدي، مُمسكاً بمعجم اللغة من ناصيته وخارجاً من دفّتيْهِ، فإذا هو «مَهَبٌّ لأعاصير لا تنتهي»، ولا عجبَ، فالوطن سائبٌ:
عندما جرّحتني ذئابُ دمشقٍ، سمعتُ أنيناً يسيلُ من الجرح:
لا تشكُ،
لم تكُ إلّا
زائراً عابراً،
جاء من عالمٍ آخر، غريبٍ.
وقُلْ: رُبّما، لم تكن جدّتي سوى وردةٍ.
في زمنِ هجرةِ الشمسِ الداكنِ لا يَعجبُ أدونيس بأن يمتدَّ به زمنُه حتى يشهدَ ظلاماً فاحِماً يهطلُ على مساحة أُمّتِه، فها هو من مسكنه في باريس يحنُّ إلى مسقطه في قصّابين حيث شجرةُ عنّابٍ كان يتفيّأ في ظلِّها وشبّاكٌ يطلُّ منه على فضاء كونه حيث الكتابة حقلٌ، مُدرِكاً أنّ القصيدة لا تكون بيتاً إلّا متى كان الحبُّ مفتاحَهُ، فالألحان رياحٌ والكلمات غصونٌ، لكنّه، رغمَ هذا الحنين إلى منزله الأوّل، فإنّه يتحسّس وجعَه الناجمَ عن الصراع بين عقلِه وعاطفته:
شجرُ الجَوزِ في سُرَّةِ الحديقة،
يهمسُ للشمسِ أن تتمهّل في سيرها.
خطأي غالباً
فتنةٌ بين رأسي وقلبي!
محمود شريح

