نظام مارديني

لا زلتُ أتذكّر تلك الليلة، عشية الثامن من تموز، عندما كان النور يكتشفنا.. النور الذي كان يصدر من القلب أصبح له ربيعه.. كان وقع خطوات الشرطة يقترب رويدًا رويدًا لتقف أمام البوابة الداخلية للسجن وتطلب من الحارس المرتبك أن يفتحها، لكي ترافق الزعيم أنطون سعاده. قالها سليم مجرب، أحد عناصر الشرطة الذي نهره المعاون: أخفض صوتك وإلا طالبتُ بسجنك، فهو بالنسبة لنا ليس زعيمًا، بل متهم بالتآمر على لبنان ولذلك سيعدمونه.

 أدرك سليم بوجدانه الذي لا يشوبه وَهمٌ أنَّ وازعًا وطنيًّا وأخلاقيًّا حضّهُ على كتم ما يعتمل بصدره، بل كاد الاحتقان أن يسحبهُ من مكانه إلى حيث يكون سعاده ليشاركه وطأة البطولة غير منقوصة الوَجَع!

ولكن ثمة شيء ما يمنع ذلك، ليكمل شيئًا ما سيستمر منقوصًا في وجدان سليم.. إنه الضعف الإنساني الذي انتابه لحظة الفصل بين الحق والباطل، وها هو يستعدّ جيدًا للمشهد السوريالي، كما ينبغي لقاتلٍ أن يستعدّ، لأنّ السيناريو الذي وصل إليه كان مشوّهًا من قبل المعاون.. ناقصًا الحقيقة.

كانت شرايين الأرض تنبض بالدماء في ذلك اليوم، وعند الشاطئ، كان الأب برباري يُكمل القُدّاس بمغفرةٍ مرتجفة كاملـة.. وكانت ابتسامة سعاده تعلن قيامة أمّة.

***

لا يمكن معرفة ثقافة الاستشهاد إلّا بكونها فعاًل.. وردّة فعلها هي ما يمكن أن تؤثره في المجتمع.

 لا ثقافة من دون أثر وتأثير ومناخ، وحاضنة، وإنتاج، وتبشير..

حين تكون الأمّة قابلة لإدامة الفعل الثقافي، فهي أمّة يمكن لها تبني حضارة قابلة للتمدد والتأثير حتى في المجتمعات الأخرى.

تحية إلى سعاده في يوم استشهاده الـ 77، كانت وقفة عزّه عنوانًا لثقافة التضحية والفداء من أجل الجماعة.

ومضة

——–

كان الثامن من تموز

صليبًا وفداء

أصبح نورًا وهداية

***

 هذا الفجر..

يقولُ لنا سعاده

لا تغلقوا بوابتكم

وتَعُضّوا على نَواجِذِ

الخيْبَةِ

سَأُخْبرُ الفرات

عنكم

قبل أن يقَطَعُوا

جدول الخصب

أمامَ طّريقُ الثّمَراتِ

***

استشهادكَ

لم يكنْ سوى سورةِ جرحٍ

طاعنٍ في الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *