منذ أن عادّ انطون سعادة من مغترّبه القسري عام 1947، رغم محاولات السلطات اللبنانية منعه من العودة، كانت كل المؤشرات تؤكد إن الصدِام بينه وبين السلطة الحاكمة في لبنان أت لامحالة، وأن هذه السلطة ممثلة برياض الصلح وبشارة خوري عازمة على الايقاع به والتخلص منه، وذلك لعدّة أسباب داخلية وخارجية. ومن هنا يأتي التأكيد على أن حادثة الجميزة لم تكن وليد ساعتها أو نتيجة احتقان مزمن بين الحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب الكتائب انفجر في لحظة معينة. بل على العكس من ذلك فإن كل شيئ كان معداً ومدروساً للوصول إلى النتيجة التي استفاقت عليها الامة فجر الثامن من تموز عام 1949.
وفي قراءة لبعض العوامل التي دفعت الحكم في لبنان إلى ارتكاب جريمة إغتيال انطون سعادة يتين لنا إن هذه السلطة ومنذ قيامها، وهي تختزن في تركيبتها كل العوامل التي تتناقض مع فكر الحزب السوري القومي الاجتماعي، وتأكيده على أن مصلحة لبنان العليا تكون في تفاعله مع محيطه القومية،وليس في محاولات التقوقع في نطاق مذهبي وطائفي والارتهان لمشاريع معادية تصب في مصلحة الحركة الصهيونية.
لقد شعر النظام السياسي في لبنان منذ قيامه إن وجود الحزب السوري القومي الاجتماعي ونموه يهز فكرة لبنان الصغير الذي اصبح لبنان الكبير في عام 1920، والذي يريد حكامه الطائفيون إقناع ابنائه كلهم بفكرة لبنان الانعزالي الذي هو الغرب، والذي هو ليس من محيطه القومي وعالمه العربي إلا بالسياحة والتجارة، وعلى موائد المجاملات فقط في الامور المصيرية الكبرى. لذا لابد أن تكون إرتباطات لبنان الدولية بالدوائر الغربية، وأن يخضع لسياسة هذه الدوائر، وخصوصا فكرة ترسيخ الكيان الصهيوني في امتنا كأمر واقع بعد إعلان دولة اسرائيل عام 1948، وفرض حالة من السلام معه أو على الاقل تهدئة دائمة. لذلك كان لابد من التخلص من انطون سعادة،. وكان اكثر المتحمسين لهذه الافكار هو رئيس حكومة لبنان رياض الصلح بالتنسيق والتعاون مع رئيس الجمهورية بشارة الخوري. وتشير الوثائق التاريخية التي ظهرت عن تلك الفترة إلى إرتباطات وثيقة كانت قائمة بين رياض الصلح والحركة الصهيونية، والتي كانت احد نتائجها الاتفاق على التخلص من سعاده ، والذي لم يكن ليقبل بهذه المشاريع المشبوهة. وقد دعا القوميين إلى محاربتها بكافة الوسائل مؤكداً إن لبنان جزء من الامة السورية ، ولايمكن أن ينفصل عنها بالتاريخ والجعرافيا، ولايحميه إلا التمسك بالقيم والمبادئ القومية الاجتماعية ، والتي لابديل عنها كأساس لمقوماته ووجوده.
لذلك كان طبيعياً أن تقوم القوى المعادية بالضغط على الحكم في لبنان للتخلص من انطون سعادة. هذا الحكم الذي لم يخف عدائه له اصلاً، وقد ظهر ذلك في إصداره مذكرة توقيف بحقه بعد عودته مباشرة من مغتربة القسري عام 1947 بعد غياب دام تسع سنوات. لقد شعرت الحكومة اللبنانية منذ اللحظة الاولى لعودته سعادة بمدى قوته وتأثيره في تكوين تيار واسع معاد لمخططاتها ومشاريعها، وهي اعتقدت أنها بالتخلص منه قد تكون قد نجحت في بلورة اتجاه عميل يشبهها يقف علناً ضد الحرب مع اسرائيل ويدعو إلى التطبيع معها. ولكن هذه الحكومة بالرغم من نجاحها في التخلص من انطون سعادة جسدياَ، فهي لم تستطع إطلاق رصاصة الرحمة على مبادئه وافكاره والتي حملها تلاميذه من بعده، وقد نجحوا في إمكنة وتعثروا في إمكنة اخرى وكان تعثرهم مؤلماً ومؤذياً ليس لهم وحدهم، بل للامة كلها.
لقد فات الذي أعدموا سعاده إن ما بشر به لم يكن مجرد مجموعة افكار ومبادئ تنتهي بموته. بل هو ترك وراءه منطومة من الوعي المتكامل في مختلف الاتجاهات الفكرية والثقافية والسياسية والتي تشكل حالة نهوض شاملة للامة من عثراتها.
من زاوية الرؤية الواضحة للمستقبل، يجب على ابناء العقيدة القومية أن يرسموا خططهم ويعدوا عدتهم للمواجهات المقبلة، والتي يجب أن تكون على قاعدة إنه لاسلام مع هذا العدو حتى ولو لم يبق غير السكاكين نقاتل بها.

