من رحمِ الجنوب… وُلِدَ زمنُ الانتصار

لم يكن الخامسُ والعشرون من أيّار مجرّدَ تاريخٍ عابرٍ في روزنامةِ الأحداث، بل كان لحظةً مفصليةً أعادت رسمَ معادلاتِ الصراعِ في هذه المنطقة. ففي ذلك اليوم، سقطَ وهمُ التفوّقِ المطلق، وتهاوت أسطورةُ «الجيشِ الذي لا يُقهر» أمام إرادةِ المقاومين الذين كتبوا بدمائهم فصلًا جديدًا من تاريخِ الأمة.

لقد شكّل التحريرُ عامَ 2000 تحوّلًا استراتيجيًا في الوعيِ السياسيِّ والعسكريِّ معًا. فبعد عقودٍ من الاحتلالِ والاعتداءاتِ والمجازر، أثبتت المقاومةُ أن الأرضَ لا تُستعادُ بالمفاوضاتِ العقيمة، ولا بالرهانِ على الخارج، بل بثباتِ المؤمنين بحقّهم، واستعدادِهم للتضحيةِ دفاعًا عن الكرامةِ والسيادة.

وفي المقابل، كشف مشهدُ الانسحابِ الصهيونيّ آنذاك حقيقةً لا جدالَ فيها: كلُّ من يربطُ مصيرَه بالمحتلّ يتحوّلُ عند أولِ اختبارٍ إلى عبءٍ يُرمى على قارعةِ الهزيمة. فالاحتلالُ لا يحمي عملاءه، بل يستخدمهم إلى حين، ثم يتركهم لمصيرِ الذلِّ والسقوط.

ومن هنا، فإنّ أخطرَ ما يمكن أن تواجهه الأوطانُ ليس العدوانُ الخارجيُّ وحده، بل ذهنيةُ الارتهانِ التي ما زال بعضُ أهلِ السياسةِ يراهنون عليها، معتقدين أنّ أبوابَ النفوذِ الأجنبيّ قد تمنحهم سلطةً أو بقاءً. غير أنّ التاريخَ اللبنانيَّ، وخصوصًا تجربةَ التحرير، أثبت أنّ الشعوبَ قد تتأخّرُ في إصدارِ أحكامها، لكنها لا تنسى من وقفَ معها ومن تآمرَ عليها.

لقد اتى عيدُ التحرير هذا العام فيما المنطقةُ تعيشُ على وقعِ مرحلةٍ شديدةِ الخطورة، حيثُ يحاولُ العدوُّ الصهيونيُّ تعويضَ إخفاقاتهِ عبر المزيدِ من العدوانِ والاغتيالِ والحصار، مستفيدًا من الانقساماتِ الداخليةِ والتحوّلاتِ الدولية. إلا أنّ التجاربَ أثبتت أنّ هذا الكيان، مهما امتلك من أدواتِ القوة، يبقى عاجزًا عن كسرِ إرادةِ الشعوبِ المؤمنةِ بحقّها في الحياةِ والحرية.

إنّ التحريرَ لم يكن نهايةَ الصراع، بل بدايةَ مرحلةٍ جديدةٍ من المواجهةِ المفتوحة، لأنّ طبيعةَ المشروعِ الصهيونيّ قائمةٌ أصلًا على الاحتلالِ والتوسّعِ والعدوان. ولذلك، فإنّ الحفاظَ على عناصرِ القوةِ والمقاومةِ يبقى ضرورةً وجوديةً لا خيارًا ظرفيًا.

في الخامسِ والعشرين من أيّار، لا نستعيدُ ذكرى انتصارٍ فحسب، بل نستعيدُ معنى الإرادةِ حين تتحوّلُ إلى قوةِ تحرير، ومعنى الشهادةِ حين تصبحُ طريقًا لنهضةِ الأمم. فالأوطانُ التي تعرفُ كيف تُقاوم، هي وحدها القادرةُ على صناعةِ مستقبلِها، أمّا الذين ينتظرون خلاصَهم من الخارج، فلن يحصدوا إلا الخيبةَ والانكسار.

التحريرُ لم يكن حدثًا انتهى… بل وعيًا وُلدَ في الجنوب، وما زال يتمدّدُ في وجدانِ الأمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *