ثمة أشياء لا يعلّمها كتاب، ولا تصنعها مدرسة، ولا يُنتجها سوق حديث بواجهاته الزجاجية الباردة. تنبت فقط في تربة خاصة، بين ناس خاصين، في مكان عجن فيه الزمن الكرمَ بالحاجة، والثقة بالمعرفة، حتى صارت طريقة في الحياة لا مجرد طريقة في البيع والشراء.
بنت جبيل ليست مدينة فحسب. هي نبرة صوت، هي طريقة ينظر بها رجل إلى آخر فيرى فيه إنساناً لا زبوناً.
تخيّل أن تدخل محلاً تريد أن «تُعفّش» فيه حياتك الجديدة، تريد أن تُفرش بيتاً من العدم، وفي جيبك من الأمل أكثر مما فيه من المال. في كثير من أسواق الدنيا ستجد نظرة تقيس ملابسك قبل أن تقيس حاجتك، ويداً ممدودة نحو الورق الموقّع قبل أن تمتد نحو المساعدة.
لكن في بنت جبيل، عند أبناء الحاج غازي، كان الأمر يجري على نحو آخر.
كانت البضاعة تصل إلى البيت كاملةً مكمّلة، والوعد يُصان قبل أن يُكتب، والكمبيالة يتم تحريرها شفهياً وبشكل ودي ومحبب «دفعلي بس يصير معك» اربع كلمات فقط، لكنها تحمل ثقل فلسفة إنسانية بأكملها. فلسفة تقول إن الكرامة ليست ترفاً يُمنح لمن يستطيع، بل حق يُصان لمن يحتاج.
هذه ليست تجارة. هذا ما كان يسمى قديماً «النخوة تدخل السوق «
عرفتُ بالأمس أن المحال والمخازن قد سُوّيت بالأرض.
وقفتُ عند الخبر لحظة أطول مما ينبغي.
لم أبكِ على الحجر، فالحجر يتم تعميره ويعود أجمل مما كان، هذا وعد الأرض لأهلها دائماً. ما آلمني هو سؤال يطاردني في هذه الأزمنة المتسارعة: هل يعاد تعمير القيم كما يُعمَّر الحجر؟ هل للكرم جيلٌ ثانٍ يرثه كما يرث البنيان؟
خوفي ليس على المبنى. خوفي على الذاكرة التي كانت تسكنه..
بنت جبيل، يا من علّمتِ الجنوب كيف يقف، ويا من أعدتِ تعليمه حين أرادوا أن ينسى، ما بيلبقلك الانكسار.
البحبوحة بتلبقلكِ. والحياة تلبقلكِ. والناس الذين يجابرون عثرات الكرام هم الذين يستحقون أن ترتفع منازلهم مرة أخرى، وأن يعود السوق القريب يفوح بعطر الوعد الذي لا يحتاج توقيعاً..

