صراع طويل يحسمه تراكم النقاط

لطالما كان اعتقاد حكومات دولة الاحتلال المتعاقبة ان لبنان هو الحلقة الاضعف في جوارها وان لديه تحالفات وثيقة عابرة للطوائف في لبنان، ولكن لبنان الضعيف يرى انه سيكون الثاني في دخوله عمله التطبيع التي توفرت له بعد توقيع اتفاقية السلام بين الاخ الاكبر في مصر ودولة الاحتلال وهي المعروفة باسم معاهدة كامب ديفيد 1978، فكان ان اخذت الحرب الأهلية في لبنان مساراً مختلفا انتهى باستقبال شارون الذي أحب نشر صوره وهو يلتهم شطائر الشاورما في شوارع بيروت.

هذا الامر سرعان ما توقف على يد المقاومين الابطال في 14 ايلول ثم في 24 من ايلول من عام 1982 مما جعل الاتفاق المقبل في 17 ايار محكوم عليه بالفشل.

تشن اسرائيل عدوانها على لبنان منذ اكثر من 40 يوما ولكن هذه الحرب على لبنان ليست امرا جديدا وانما اعلنها المشروع الصهيوني في مؤتمره الاول عام 1897 عندما اعتبر نهر الليطاني ضرورة امنية وحياتية للدولة اليهودية التي ستقام في فلسطين، وبالتالي فالحرب بين اسرائيل ولبنان هي حرب متواصلة منذ ذلك التاريخ وان كانت تتفاوت في اشكالها وضراوتها قتالا أو تفاوضا، وفي ظاهر الامر تبدو جلسة تفاوض الثلاثاء هذه وكان هدفها الوحيد هو التوصل الى وقف اطلاق نار في الجنوب ولكن ذلك هو اول الرقص في الحفلة الشيطانية، انها بالحقيقة تهدف الى كسر المحرم والتمهيد للتوصل لمعاهدة سلام وتطبيع كامل مع دولة الاحتلال ولن تكون الدولة اللبنانية والحال كذلك اكثر من وكيلا امنيا للإسرائيلي كما هو حال السلطة الفلسطينية التي جاءت نتاجا لاتفاق اوسلو عام 1993.

عند متابعة شروط اسرائيل الثلاثة لوقف إطلاق النار لا نراها بعيدة عما يفكر به لبنان الرسمي فهي:

اولا انشاء منطقة عازلة حتى نهر الليطاني خالية من اي وجود للمقاومة أو لبنية المقاومة التحتية.

ثانيا الحق المطلق لإسرائيل بالعمل العسكري كلما رات حاجة لذلك ودون اعطاء اي مبررات.

ثالثا الدخول في عملية طويلة الامد لنزع سلاح المقاومة بالكامل بإشراف امريكي.

هنا تخوض دولة الاحتلال المعركة الشرسة في الجنوب وتحديدا في بنت جبيل ولم تستطع حتى وقت كتابة هذا المقال تحقيق تقدم برغم التفوق الهائل في عددها وعديدها على المقاومة، الا انها ترى ان الدخول في هذا التفاوض مع الطرف اللبناني الاضعف يمنحها الفرصة لتقطيع الوقت ولتعزيز الخلافات اللبنانية اللبنانية وان يظهرها بمظهر أفضل امام العالم الذي أصبح يرى مقدار قبحها، وهي تواصل عدوانها الذي سيتم رسم صورة له على انه حرب بين الشرعيات الموجودة في بيروت وتل ابيب وبين جهات ارهابية مجرمة خارجة عن القانون.

في الحرب الإيرانية ـ الامريكية استطاعت ايران نقل محور المعركة وعقدتها من تغيير النظام والبرنامج النووي والصاروخي وما الى ذلك الى عقدة تتجاوز الاقليم لتصبح ازمة عالمية عند فرضها السيطرة الكاملة على مضيق وما تلا ذلك من تهديدات جدية وخطيرة متبادلة بين الولايات المتحدة وايران ،الامر الذي كثف الجهد الباكستاني لوقف الحرب، فتم الوصول الى وقف اطلاق نار يشمل كافة الجبهات ( أو هكذا يفترض) بما فيها الجبهة اللبنانية ،الامر الذي اطار صواب الدولة في لبنان والحكومة الإسرائيلية في تل ابيب فالأولى ترى انها الجهة الشرعية التي يجب الاتفاق معها حول وقف اطلاق النار هذا وهي ترى ان هذا المشروع الباكستاني قد ادخل ايران ومنحها حق التدخل السافر في الشأن اللبناني، والدولة اللبنانية تسمح بالتدخل الخارجي لكل من يريد ،لا بل انها تستدرج الكثير من هذه التدخلات ولكن لا ترى من ينتقص من سيادتها الا ايران والمقاومة، لذلك ترى انها بدخولها التفاوض المباشر مع دولة الاحتلال تكون قد استعادت الامساك بأوراق السيادة المزعومة التي كانت تخشى عليها من ايران، اما الحكومة الاسرائيلية في تل ابيب فقد رات انها بهذه المفاوضات المباشرة تقطع الطريق على ايران وحرسه الثوري الذي بدا اثر الاعلان الباكستاني وكان ايران قد اصبحت دولة حدودية معها وترابط قبالة الجليل الفلسطيني.

مالات هذا المسار التفاوضي لن تذهب حتى النهايات فلا التطبيع ممكن ولا معاهدة السلام المفترضة قادرة على الحياة، ولا باتجاه وقف إطلاق نار أو انسحاب اسرائيل من الارض التي احتلتها في الجنوب فقرار المقاومة وسلاحها ليس بيد من يجلس على مائدة التفاوض في واشنطن ولا بيد من يرسل له التعليمات وانما في يد المقاومة ومقاتليها في بنت جبيل وبلدات وقرى الجنوب، والجهة اللبنانية المفاوضة لا تملك املاء رأيها أو إلزام المقاومة بما قد تتوصل اليه.

ما يحدث في واشنطن هو رقعة صغيرة في ثوب مهترئ، فالحرب هي امتداد للسياسة، والاحتلال يعرف مقدار ضآلة وصغر قوة المفاوض اللبناني في واشنطن ويعرف ان القرار ليس بيده، ولكن الاخطر ان الصراع اللبناني ـ اللبناني قد أصبح يهدد بدخول المقاومة في حرب اضافية مع أنصار التفاوض.

هذا صراع طويل يحسمه تراكم النقاط، والتي نراها تتراكم.

سعادة مصطفى ارشيد ـ جنين ـ فلسطين المحتلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *