مأزق الكيانية: من الانعزال إلى التواطؤ مع العدو

إن آلاف الكتب والكتابات والبحوث والرسائل والوثائق والخطب اليهودية، العلنية منها والسرية، ومنذ كتابة النص التوراتي وتفسيره الاجرائي في التلمود، وكل التصاريح التي جاءت على ألسنة الحاخامات والقادة والخبراء والباحثين، بل وكل السياسيين والعسكريين اليهود، لم تقنع فرق الانعزال في الامة السورية، وخصوصا في لبنان، بأن الحركة السياسية الصهيونية اليهودية انما هدفها الاول والاخير هو اقامة “دولة اسرائيل” من الفرات الى النيل.

وان كل هذا الظاهر غير المخفي، والملموس واقعا لمس اليد باحتلال الجيش اليهودي لفلسطين واجزاء من لبنان والشام، والذي يستعد ليشمل احتلاله بقية الكيانات، بل وان كل الافعال الشنيعة التي يرتكبها جيش الاحتلال اليهودي من قتل وتشريد وهدم وحرق بحق اهلنا، وان كل هذه الحقائق التي نشاهدها يوميا، غير مقنعة للانعزال بأهداف الحركة اليهودية ومطامعها بإقامة دولة يهوه.

وامام هذا الاصرار على التجاهل، لم يعد ببالنا سوى الدعاء الى الله العلي القدير ان يرحمنا.

ان هذه الحركات السياسية الانعزالية الطائفية في بلادنا قد انتقلت من دائرة الفئة المضللة او دائرة الغباء، لتصبح في دائرة المتعاملة والمعاونة مع العدو اليهودي لقتل ابناء شعبها، وان لم يكن ظاهرا بعد انها تستعمل الوسائل الحربية، فإنها تستعمل ما هو اشد فتكا وتدميرا، وهو سلاح التفرقة والفتنة بين ابناء الامة الواحدة.

وان هؤلاء الغارقين في كيانيّتهم، المتوهمين انهم امة، وفي أحسن الاحوال يعتقدون انهم كيان مستقل من امة، انما هم في الحالتين ملاقون الانكسار امام العدو. والكيانية هنا لا تقتصر على حدود الكيان الجغرافي المتعارف عليه بعد سايكس- بيكو وحدها، بل تشمل ايضا التكتلات الدينية، والمذهبية، والقبلية والاثنية.

ان الصحيح ان تقف الامة بكل ابنائها مجتمعا واحدا، وجسدا واحدا، وعقلا واحدا، في وجه الاخطار الخارجية، ولا سيما في الحروب الطاحنة كالحرب التي نشهدها. فقد وجدنا الشعب في الامة كلها يتحسس مصيره، وهذا الشعور بالمصير الواحد يجب ان يؤطر في عملية سياسية تنظم الشعب السوري، وتضع له محددات تشمل: الوطن، والامة، والسيادة، وأيضا الاستقلال، والعدالة.

كما يجب ان تنشأ لهذه المحددات الجامعة لإرادة الشعب قوة عسكرية تحميها، فحركات المقاومة في الامة السورية قد ابلت بلاء حسنا في محاربة العدو اليهودي والاطماع الخارجية، غير ان ذلك لا يكفي ان لم يواكب بحركة سياسية ينبثق عنها مشروع لبناء سلطة على مستوى الامة لا الكيان، كي تصون الانجازات التي تحققها المقاومة. فالتجربة تؤكد ان الطلاق بين السلطة والمقاومة يؤدي الى ان نرى السلطة النفعية تنقض على المقاومة في لحظة الاعتداء الخارجي بدل ان تدعمها وتشد ازرها.

والبرهان على ما ورد ان حركات المقاومة في الامة السورية قد سطرت، وما زالت تسطر، اعلى درجات البطولة دفاعا عن الارض والوجود، وقد شاهدنا كيف كان موقف السلطة منها في فلسطين، ولبنان، والشام والاردن. فان تركت السلطة الحاكمة لتتشكل من الذين باعوا انتماءهم بوهم الكيان المستقل، او بوهم ان تحكم الطائفة، او بوهم حركة اثنية موهومة لإقامة دولة مستقلة، او بوهم ان يحكم حاكم مدعوم من الارادات الاجنبية، فان كل هذه التشكيلات السياسية انما تطعن في خاصرة ارادة الامة الحرة المتمثلة في حركات المقاومة على انواعها العقائدية في بلادنا.

لقد تنبهت ارادة الامة السورية للخطر اليهودي، فشكلت حركات مقاومة لقتاله، افلا يكفي هذا الخطر لإقناع العقل الانعزالي بأننا امة واحدة، ووطن واحد، ومصير واحد؟ وافلا يكفي ذلك ليقتنع بإنشاء مؤسسة سياسية واحدة تنهض بالأمة؟

ان حركات المقاومة، على مختلف عقائدها، قد تيقنت ان نجاحها مرتبط بالتفاف الارادة الشعبية حولها، وهذه الحركات هي المؤهلة لإعداد مشروع نظام سياسي وحدوي عنوانه: الوطن والشعب والمصير الواحد؛ نظام تلغى فيه الحزبية الدينية لا الدين والطائفية السياسية التي اصبحت صاعق التفجير للمجتمع من الداخل وللاقتتال المستديم.

ولقد اثبتت التجارب ان الحزبية الدينية والطائفية لم ولن تحمي نفسها في نظام سياسي تكون لها فيه اليد العليا، بل انها انما تحمى بنظام حكم سياسي يكون فيه جميع المواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، دون أي تمييز لان الامة السورية، بل وكل الامم، ليست تجمع طوائف قررت ان تكون امة، وليست امما في وطن واحد.

 المطلوب ان نسلم بحقيقة واضحة، وهي اننا امة واحدة، يتنوع فيها المواطنون في اعتقاداتهم بالله الواحد، المنبثق من ثقافة واحدة يتنوع فيها الاجتهاد والتفسير، غير انهم في حقيقتهم يشكلون وحدة اجتماعية واحدة، وعليهم ان يصوغوا لمجتمعهم نظاما سياسيا واحدا، وحقوقا واحدة، وواجبات واحدة، واقتصادا واحدا، ومصيرا واحدا.

أهمية هذه الحرب، رغم قساوتها على وطننا وشعبنا، انها احيت الشعور القومي رغم انف الانعزاليين، وناصرت ارادة الشعب على ارادة السلطات النفعية في دول الامة السورية، وتمظهر هذا الشعور القومي في ارادة الشعب الذي دفع بابنائه للدفاع عن الارض والوجود السوري.

وعلى هذه الارادة الشعبية ان تستكمل نضالها لمشروع نظام سياسي واحد، مبادئه: الوطن الواحد، والمجتمع الواحد، والمساواة بين المواطنين في كل شؤون الحياة الحقوقية والسياسية، وتسوده العدالة الاقتصادية والاجتماعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *